العسكريتاريا واقتصاد الأزمة

نشر في 25-05-2026
آخر تحديث 24-05-2026 | 18:17
 د. بدر عثمان مال الله

الأزمة الاقتصادية في إيران ليست مجرد تضخم مرتفع أو تراجع في سعر العملة، بل أزمة نموذج اقتصادي مأزوم هيكلياً، نتج عن عقود من تغليب العقيدة الأمنية والعسكرية على أولويات التنمية والإنتاج والنمو. فإيران، التي تمتلك واحداً من أكبر احتياطات النفط والغاز في العالم، تعيش اليوم أزمة معيشية خانقة، وانكماشاً في الطبقة الوسطى، وتراجعاً حاداً في القوة الشرائية، في مفارقة تكشف حجم الاختلال في بنية الاقتصاد السياسي للنظام، إنها أزمة هيكلية عميقة تضرب أسس الاقتصاد والمجتمع معاً. 

خلال العقود الماضية، توسع نفوذ الحرس الثوري الإيراني ليهيمن على قطاعات النفط والإنشاءات والموانئ والاتصالات والتجارة الخارجية، مما أدى إلى إضعاف القطاع الخاص الحقيقي وخلق اقتصاد شبه مغلق تحكمه الشبكات المرتبطة بالمؤسسة الأمنية والعسكرية. وفي الوقت ذاته، ضخت الدولة مليارات الدولارات في البرامج الصاروخية والعسكرية، إضافة إلى تمويل حلفاء وميليشيات مرتبطة بإيران في المنطقة، بينما تراجعت الاستثمارات الموجهة للبنية التحتية والتنمية والخدمات الأساسية. المؤشرات الاقتصادية تكشف بوضوح حجم التدهور. فمعدل التضخم الرسمي يقارب 45%، بينما تشير تقديرات مستقلة إلى أن التضخم الفعلي في بعض السلع الغذائية تجاوز 60%. أما أسعار المواد الأساسية فقد شهدت قفزات تضخمية هائلة خلال سنوات قليلة، مما أدى إلى تآكل دخل الطبقة الوسطى وانزلاق الملايين نحو الفقر. 

وفي سوق العمل، ورغم أن معدل البطالة الرسمي يقترب من 10%، فإن بطالة الشباب تتجاوز 20% في بعض التقديرات، بينما ترتفع النسبة بين خريجي الجامعات، ما يعكس عجز الاقتصاد عن خلق وظائف منتجة ومستقرة. وفي واحدة من أكبر موجات نزيف العقول في المنطقة، دفعت الأزمة الاقتصادية أعداداً متزايدة من الكفاءات والأطباء والمهندسين إلى الهجرة. 

أما العملة الإيرانية، فقد تعرضت لانهيار تاريخي. فالريال الإيراني فقد أكثر من 90% من قيمته خلال العقدين الأخيرين، ووصل سعر الدولار في السوق الموازي إلى مستويات غير مسبوقة تجاوزت في بعض الفترات مليون ريال للدولار الواحد. هذا الانهيار أدى إلى ارتفاع تكلفة الواردات بشكل كبير، خصوصاً الغذاء والدواء والمواد الخام، وزاد من الضغوط على المواطن العادي. وفي جانب النمو الاقتصادي، تبدو الصورة أكثر قتامة. فالنمو الحقيقي للاقتصاد الإيراني بقي ضعيفاً ومتذبذباً، بينما يعاني الإقتصاد ركوداً تضخمياً مزمناً رغم العائدات النفطية. إذ لا يتجاوز الناتج المحلي الإجمالي 350 مليار دولار فقط، وهو رقم متواضع مقارنة بحجم إيران السكاني ومواردها الطبيعية، كما تراجع نصيب الفرد من الناتج المحلي بصورة حادة مقارنة بما كان عليه قبل سنوات. ودون شك، ساهمت العقوبات الغربية في تعميق هذه الأزمة، خصوصاً عبر تقييد صادرات النفط وعزل النظام المصرفي الإيراني عن النظام المالي العالمي. 

لكن المشكلة الأعمق تكمن في طبيعة النموذج الاقتصادي نفسه، حيث تهيمن الاعتبارات الأمنية والعسكرية على القرار الاقتصادي، وتُوجَّه الموارد وفق أولويات النفوذ الإقليمي أكثر من احتياجات التنمية الداخلية. كما أدى هذا النهج إلى تفشي الفساد وضعف الشفافية وظهور اقتصاد موازٍ قائم على الامتيازات والاحتكارات. 

ومع تعدد أسعار الصرف وغياب المنافسة العادلة، أصبحت المضاربة والتهريب والاقتصاد غير الرسمي أكثر ربحية من الاستثمار والإنتاج الحقيقي. ورغم امتلاك إيران إمكانات ضخمة تؤهلها لتكون قوة اقتصادية إقليمية كبرى، فإن استمرار النهج العسكري التوسعي يستهلك جزءاً مهماً من موارد الدولة ويقوّض فرص الإصلاح الحقيقي. لذلك، تبدو الأزمة الاقتصادية الإيرانية اليوم نتيجة مباشرة لتراكم خيارات سياسية وأمنية طويلة فضّلت بناء النفوذ العسكري والإقليمي على حساب بناء اقتصاد مستقر ومنتج يحقق الرفاه للمواطن الإيراني.

back to top