بين «كاف» و«طاف»

نشر في 22-05-2026
آخر تحديث 21-05-2026 | 18:26
 سليمان البسام

عاش «كاف» أياماً عصيبة وهو محتار بين الاستمرار في دنياه باسمه الحالي، أو أن يطوي صفحة ذلك المواطن المسكين ويغيّر مصيره بتسمية حاله المواطن «طاف» -تيمناً بتوصية حبيبته الغدّارة. وبعد تفكيرٍ عميق، اكتشف «كاف» أنه يعتزّ بإنجازاته — على تفاهتها — ويفتخر بما تبقّى من نفسه، على الرغم من فقدان معظم أسنانه على جبهات الحب المستحيل، وجميع أصابعه ضحيةً لمؤامرات العميل شلومو ومكر الجرّاح الفذ. وفي صدارة ما ينوي الحفاظ عليه مخطوطته البارعة: «حِيَل لعلاج علل البلاد والعباد»، التي تحتوي — في نظره — على دررٍ وهوامش قيمة، وتوصيات ذهبية لكبار المسؤولين، من شأنها — لو نُفِّذت — أن تُخرج بلاده من النفق المظلم الذي وقعت فيه.

وفي المقابل، كانت إغراءات إعادة تسمية نفسه والانبعاث باسمٍ جديد كثيرة، فاسم «طاف» يومئ إليه كصفحة بيضاء، خالية من الانتكاسات، لم يأكل عليها الدهر ويشرب، كما أن كلمة «طاف» تحتوي على ثلاثة أحرف سحرية توحي لعقل «كاف» الصغير بانطفاء الكهرباء في عزّ الصيف، وطفو الأسماك في الجون، وإطفاء نيران الفتنة، وغيرها من صور تذكّره بمشاهد طفولته، بل ويوميات بلاده. أضف إلى ذلك بعض الاعتبارات الانتهازية التي لطالما راعاها «كاف» سراً... إذ لا يرى اليوم بصيص أمل في أن يُنصَّب وزيراً، بينما اسم «طاف» - بما يحمله من وزنٍ وأصالة ووقار - قد يلوِي ذراع الحظ، فيحالفه أخيراً.

وهكذا عاش «كاف» حالةً من الازدواجية المريعة. لم يعد قادراً على تحديد انتمائه، أهو «كاف» أم «طاف»، أهو من أهل النار أم من أهل النهار، ولا يعلم إن كانت أوراقه الثبوتية صالحة أم طالحة. وحين رأت أمّه حاله المزرية وقد استفحلت، حشدت له جيشاً من قارئات الفال، وشيوخ الاستخارة، وعلماء الموس والكؤوس، لكنهم خرجوا كما دخلوا حائرين.

غير أن أم أحمد ضاربة الودع المسنّة تنهدت تنهيدةً عميقة وهي تستجمع حوائجها ثم أنشدت: 

دواؤك فيك وما تشعر 

وداؤك منك وما تُبصر

وتحسب أنّك جرم صغير

وفيك انطوى العالَم الأكبر *

وقع هذان البيتان على مسمع «كاف» كالصاعقة، فرددهما مرةً، ثم أخرى، ثم شعر - لوهلة - أن كل ما فعله في حياته لم يكن سوى تطوافٍ واسع حول هذين البيتين القصيرين.

لقد طاف بحثاً عن العلة في البلدان، وفي الجيران، والخدم، وفي الأسماء، وفي شلومو، وفي الجراح الفذ، وفي أصابع الناس وأسنانهم وأصولهم، ولم يخطر له إلّا الآن أن أصل البلاء قد يكون متطيفاً فيه.

فقرّر «كاف» على الفور أن يحجّ إلى بيت الله الحرام، لعلّ الطواف حول بيت الله أرحم من الطوفان الطويل حول نفسه، ولعلّ رب العالمين يفتح له باباً يخرجه من دهاليز عقله المشلول ومصيبته المتفاقمة.

فجمع ما تبقّى منه، وتهيّأ للسفر، وهو لا يدري: أيسافر إلى الحجّ... أم إلى آخر نسخة ممكنة من نفسه!

----------------

* بيتان منسوبان لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، كرّم الله وجهه.

back to top