الأمن الغذائي... ما بعد «هرمز»

نشر في 11-05-2026
آخر تحديث 10-05-2026 | 19:39
 د. بدر عثمان مال الله

لم يكن إغلاق مضيق هرمز مجرد اضطراب جيوسياسي فقط، بل أزمة أعادت طرح معنى الأمن في عالم مضطرب. 

فالأمن لم يعد يُختزل في الحدود أو الدفاع، بل بات يمتد إلى قدرة الدول على تأمين غذائها حين تنقطع السلاسل. 

وفي هذا السياق، تعود قضية الأمن الغذائي إلى الواجهة، لا كملف اقتصادي، بل كركيزة من ركائز الأمن المجتمعي.

ففي عالم الأزمات، لا تُقاس قوة الدول بما تملك، بل بما تستطيع تأمينه عند الانقطاع. 

لقد كشفت الأزمة هشاشة سلاسل الإمداد العالمية، التي كانت تُدار بكفاءة عالية في زمن الاستقرار، لكنها سرعان ما اضطربت عند أول صدمة. 

وبالنسبة لاقتصادنا الوطني، فإن هذا الاضطراب يكتسب بعداً أكثر حساسية، إذ نعتمد على الاستيراد لتأمين ما يفوق 90% من احتياجاتنا الغذائية، ضمن واردات إجمالية تقدر بحوالي 12 مليار دينار كويتي سنوياً. هذه الأرقام لا تعكس فقط حجم الاعتماد، بل حجم المخاطر الكامنة في نموذج اقتصادي مرتبط بالواردات. فالاعتماد الذي يبدو مريحاً في الاستقرار يتحول إلى إشكالية عند الاضطراب. 

ولسنوات، شكّل المخزون الغذائي الاستراتيجي خط الدفاع الأول، وهو أداة ضرورية بلا شك، لكنه يظل حلاً مؤقتاً. فالمخزون يوفّر غطاءً زمنياً قد يمتد لأشهر، لكنه لا يعالج جذور الاعتماد. 

ومع أزمات ممتدة، يتحول هذا المخزون إلى عدٍّ تنازلي، لا إلى ضمان دائم. فالتخزين يمنحنا الوقت لكنه لا يمنحنا الحل. الأخطر من ذلك أن هذا النموذج القائم على الاستيراد يفتح الباب أمام ما يمكن تسميته بـ «تضخم مستورد». 

فمع ارتفاع أسعار الغذاء عالمياً نتيجة اضطراب النقل والتأمين، تنتقل هذه الزيادات مباشرة إلى الداخل. وتشير التقديرات إلى أن تكاليف الغذاء قد ارتفعت عالمياً بنسبة 10 إلى 20% في ظل أزمة «هرمز»، ما ينعكس مباشرة على مستويات الأسعار المحلية، ويضغط على القوة الشرائية والاستقرار الاقتصادي. فنحن لا نستورد الغذاء فقط بل نستورد تضخمه وتقلباته كذلك. ومن هنا، يصبح الأمن الغذائي ضرورة استراتيجية، لا هدفاً تنموياً. وهو لا يعني الاكتفاء الذاتي الكامل، بل بناء قدرة إنتاجية جزئية تقلل من الاعتماد الخارجي، وتمنح الاقتصاد مرونة في مواجهة الصدمات. فمساهمة الزراعة والثروة الحيوانية وصيد الأسماك في ناتجنا المحلي الإجمالي نحو 0.5% ما يعكس محدودية القاعدة الإنتاجية الغذائية مقارنة بحجم الاقتصاد، ويؤكد أن ما ننتجه من غذاء يكاد يكون هامشياً. ولاشك ان زيادة هذه النسبة حتى  10 إلى 20% من الإنتاج المحلي في بعض السلع الأساسية مع رفعها تدريجياً يمكن أن يخفف من حدة الأزمات ويمنحنا مساحة للمناورة. فالأمن الغذائي ليس اكتفاءً مطلقاً، بل قدرة على الصمود حين تضطرب الأسواق. إن تحقيق ذلك يتطلب إعادة هيكلة قطاع الزراعة، وتبني تقنيات حديثة تقلل استهلاك الموارد، إلى جانب تطوير الصناعات الغذائية وربطها بالإنتاج المحلي لتعزيز القيمة المضافة. كما يتطلب الاستثمار في الخارج، وتنويع مصادر الاستيراد، وبناء شراكات استراتيجية تضمن استمرارية التدفق. فالمرونة لا تُبنى بمصدر واحد بل بتعدد الخيارات. لكن ما تطرحه أزمة هرمز يتجاوز الغذاء إلى بنية الاقتصاد ذاته. فاقتصاد يعتمد على النفط لتمويل الاستيراد، دون بناء قاعدة إنتاجية موازية، يبقى عرضة لأي صدمة في الدخل أو الإمداد. ومع اعتماد يتجاوز 90% على الإيرادات النفطية، يصبح أي اضطراب في التصدير خطراً مزدوجاً، تراجع الدخل وارتفاع كلفة المعيشة في آنٍ واحد. فالاقتصاد الذي يعتمد على مورد واحد لتمويل احتياجاته يواجه صدمة مضاعفة عند كل أزمة. لم يعد الأمن الغذائي خياراً، بل ضرورة تمليها طبيعة المرحلة. وما بعد هرمز، يجب أن تكون مرحلة انطلاقة جديدة في التفكير الاقتصادي، تنقلنا من نموذج يعتمد على الاستيراد إلى نموذج يبني الطاقات الإنتاجية. ففي عالم تتزايد فيه الأزمات، لن تكون الأفضلية للأغنى، بل للأكثر قدرة على التأمين الذاتي. ففي لحظات الانقطاع، لا تنجو المجتمعات بما تملك بل بما تستطيع إنتاجه وتأمينه.

back to top