من حربٍ إلى صدمةٍ اقتصادية

نشر في 04-05-2026
آخر تحديث 03-05-2026 | 18:51
 د. بدر عثمان مال الله

نتائج الحروب الحديثة لا تقتصر على ما تُخلّفه من دمار، بل كذلك بما تُخلفه من آثار في بنية الإقتصاد العالمي. والحرب على إيران تجاوزت كونهاً مواجهة عسكرية، لتصبح صدمة اقتصادية مركّبة تعيد رسم خرائط الطاقة والتجارة والاستثمار. فهذه الحرب وقعت في منطقة تمثل قلب منظومة الطاقة العالمية، ولذلك فإن تداعياتها لم تبقَ محصورة في حدودها الجغرافية، بل امتدت لتصيب عمق الاقتصاد العالمي، فالحروب في المناطق الاستراتيجية تهزّ قواعد الأسواق وتربكها.

أولى هذه الصدمات كانت في أسواق الطاقة، حيث أدى تصاعد المخاطر إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط. غير أن هذه الزيادة لا تمثل مجرد مكسب للدول المنتجة، بل تحمل في طيّاتها موجة تضخمية عالمية. فارتفاع كلفة الطاقة ينعكس مباشرة على النقل والإنتاج والصناعة، ما يدفع الأسعار للارتفاع في مختلف القطاعات. 

وهذا بدوره يدفع الاقتصاد العالمي نحو حالة من الركود التضخمي، حيث يتباطأ النمو وترتفع الأسعار في آن واحد.

فأسعار النفط حين ترتفع ترفع معها كلفة السلع والخدمات.

ويُعد إغلاق مضيق هرمز من بين أخطر تداعيات هذه الحرب، فهو الممر الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية.

وتعطّل هذا الممر الحيوي لا يعني فقط نقص الإمدادات، بل يخلق حالة من القلق وعدم اليقين في الأسواق حول مستقبل تدفق الطاقة. 

فالمسألة لا تتعلق بالكميات الحالية، بل بموثوقية الإمدادات على المدى المتوسط. فحين يختنق هذا الممر لا تتوقف إمدادات الطاقة فقط، بل يختل إيقاع الاقتصاد العالمي بأكمله.

والصدمة لا تقف عند حدود ذلك، بل تمتد إلى سلاسل الإمداد العالمية التي تشكل شريان التجارة الدولية. فارتفاع تكاليف التأمين والنقل، والمخاطر الأمنية، يؤدي إلى زيادة كلفة الشحن وإطالة زمن وصول السلع. ومع كل تأخير تطرأ تكاليف إضافية، تنتقل إلى الأسعار النهائية، لتتسع دائرة التضخم عالمياً. 

وهنا تتآكل التجارة الدولية تدريجياً تحت ضغط الركود والتضخم والمخاطر.

ويواجه الاقتصاد العالمي صدمة إضافية في أسواق المال، حيث يدفع تصاعد المخاطر الجيوسياسية المستثمرين إلى الهروب نحو الملاذات الآمنة. 

هذا التحول يؤدي إلى تقلبات حادة في الأسواق، ويحدّ من تدفقات الاستثمار، المباشر وغير المباشر، ويزيد من حالة عدم اليقين التي تعوق القرارات الاستثمارية. فالأسواق لا تخشى الخسارة بقدر ما تخشى الغموض والضبابية.

ورغم أن الكويت ودول الخليج قد تبدو مستفيدة ظاهرياً من ارتفاع أسعار النفط، إلا أن هذه المكاسب تبقى قصيرة الأجل ومحفوفة بالمخاطر. 

فالتقلبات الحادة في الطلب العالمي، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وتراجع الاستثمارات الأجنبية، كلها عوامل قد تُضعف الأثر الإيجابي لارتفاع الأسعار، فالمكاسب السريعة في زمن الأزمات كثيراً ما تُخفي خسائر أعمق.

إن هذه الحرب تطرح سؤالاً جوهرياً حول قدرة الاقتصاد العالمي على الصمود أمام الصدمات الجيوسياسية، فالعالم الذي بنى ازدهاره على تدفق مستقر للطاقة والتجارة، يجد نفسه اليوم أمام واقع أكثر هشاشة وتقلباً، فالاستقرار الاقتصادي ليس رهن السياسات فقط، بل كذلك رهينة للمخاطر الجيوسياسية.

إن خطورة هذه الحرب لا تكمن فقط في حجم الدمار الذي تُخلّفه، بل في النظام الاقتصادي الذي قد تُعيد تشكيله، فالعالم يدخل مرحلة جديدة تتراجع فيها اليقينيات، وتتصاعد فيها المخاطر، وتُعاد فيها صياغة قواعد السوق. وفي مثل هذا الواقع، لن تكون الأفضلية للدول الأكثر ثراءً، بل للأكثر قدرة على التكيف مع صدمات أصبحت القاعدة لا الاستثناء. ففي اقتصاد عالمي مضطرب، لا ينجو الأقوى بل الأكثر استعداداً، وتكون الاقتصادات ذات الاختلالات الهيكلية أكثر عرضة للصدمات.

 

back to top