بُعد آخر: هل الحضانات خارج الحسبة؟!
ليس كل إغلاقٍ يُعد قراراً محايداً. فبعض القرارات، حتى وإن بدا ظاهرها احترازياً، تحمل آثاراً تتجاوز ما يُقاس فوراً. وإغلاق الحضانات مثال واضح، فهو لا يُوقف نشاطاً ترفيهياً فقط، بل يُعطِّل بيئةً أساسية في تشكيل الطفل في مرحلةٍ لا تُعوَّض.
في الكويت، أعلنت وزارة الشؤون الاجتماعية إمكانية عودة الحضانات في 12 أبريل، ثم ألغت القرار من دون ضوابط واضحة أو خطة عودة تدريجية.
هذا التذبذب لا يعكس التردُّد فقط، بل يكشف نمطاً مألوفاً في إدارة الأزمات: الميل إلى «الإيقاف الكامل» بدلاً من «إدارة النشاط ضمن ضوابط»، وهو ما رأيناه أيضاً في قطاع التعليم. وفي هذا السياق، جاء تبرير القرار بالحرص على سلامة الأطفال والعاملين، وهو مبدأ لا خلاف عليه. لكن الإشكال في طرحه وكأنه بديل عن عودة الحضانات، وكأننا أمام خيارين: السلامة أو الحضور. بينما الإدارة الفعَّالة لا تفصل بينهما، بل «تحقق السلامة من خلال التشغيل». فالإيقاف الكامل لا يُعد إدارة للمخاطر، بل هو تجنُّب لها، في حين أن الخيار الأجدر هو تشغيل الحضانات ضمن ضوابط تقلل المخاطر إلى حدٍّ مقبول.
من منظور عملي، الحضانات الخاصة تختلف عن المدارس: عددها أقل، وإدارتها أكثر قابلية للضبط، وهي غير إلزامية، مما يجعل العودة خياراً متاحاً لمن يرغب ضمن اشتراطات محددة. لكن الأهم أن الحضانات ليست مجرَّد مكانٍ للرعاية أو اللعب، بل بيئة يتعلَّم فيها الطفل كيف يتكلم، وينتظر دوره، ويُكوِّن علاقاته. وإغلاقها لفترات طويلة لا يعني خسارة وقتية فقط، بل فقدان جزء من هذا التشكُّل المبكِّر. فالطفل الذي يقضي يومه بين الجدران أو أمام شاشة، أو مع رعاية لا تقوم على التفاعل التربوي، يفقد فرصاً أساسية للنمو في لغته وتواصله وثقته بنفسه. وما يُفقد في هذه المرحلة يصعب تعويضه لاحقاً. كما أن هناك بُعداً آخر لا يقل أهمية، وهو «حق أولياء الأمور». فكثير منهم اتخذ قراراً بإشراك أطفاله في هذه الحضانات، باعتبارها بيئة آمنة ومهيأة لنمو أطفاله، واستمرار الإغلاق من دون وضوح لا يحمِّلهم فقط كُلفة مالية، بل يُربكهم، ويضعهم أمام واقعٍ لا يملكون معه خيارات واضحة لأطفالهم.
جوهر المسألة لا يكمن في الإغلاق أو الفتح، بل في القدرة على إدارة المخاطر من دون تعطيلٍ كامل. فالإدارة الفعَّالة لا تقوم على تجنُّب المخاطر، بل على تقليلها إلى مستوى مقبول عبر أدوات واضحة: تحديد عدد الأطفال، وتنظيم أوقاتهم، وتهيئة بيئة مناسبة، والمتابعة المستمرة. غياب هذه الأدوات لا يعني أن الإغلاق هو الخيار الأفضل، بل يعني أن أدوات إدارة المخاطر لم تُستخدم كما ينبغي.
هذا النمط- الإغلاق بدل تشغيل الأنشطة ضمن ضوابط- ظهر في أكثر من قطاع (المدارس والحضانات). وهنا تتجدَّد فكرة «رُشد القرار» التي تناولناها سابقاً: فالمسألة لا تقف عند اتخاذ القرار، بل في مدى استيفائه للاعتبارات قبل صدوره وتقدير آثاره المتعددة بشكلٍ متكامل.
في النهاية، الحضانات ليست رفاهية يمكن تعليقها إلى أجلٍ غير معلوم، بل هي جزء من منظومة تنشئة متكاملة. وإذا كان الإغلاق مبرراً في لحظةٍ ما، فإن استمراره من دون إطارٍ واضح يطرح تساؤلاً مشروعاً: هل أطفالنا ونموهم وصحتهم النفسية بالحسبة أم خارجها؟
* متخصص في الحوكمة وعضو معهد الحوكمة المعتمد في بريطانيا وأيرلندا