بُعد آخر: وعادت الحياة... إلا للمدارس!
في لحظات استثنائية، كالحروب والأوبئة، بدا تعليق الدراسة الحضورية قراراً مفهوماً، حيث تتقدَّم السلامة على ما سواها، لكن ما بدأ كإجراءٍ احترازيٍ مؤقت امتد مع الوقت، وتحوَّل السؤال: إلى متى تعود المدارس؟ خصوصاً مع عودة مظاهر الحياة تدريجياً، وبقاء التعليم الحضوري استثناءً.
وهنا تبرز المفارقة: لماذا يكون إغلاق المدارس سريعاً، فيما تبدو العودة أكثر تعقيداً وتأخراً؟
في الكويت، يتكرَّر هذا النمط في إدارة أزمات التعليم: إغلاق سريع يقابله تردُّد في العودة، مما يعكس خللاً في طريقة اتخاذ القرار، خصوصاً في الموازنة بين سلامة الطلبة واستمرار التعليم الحضوري بجودته وآثاره التربوية والنفسية.
تُدار المنظومة التعليمية ضمن نمطٍ مركزي في اتخاذ القرار، حيث تتركَّز قرارات الأزمات في المستوى الحكومي الأعلى، مع محدودية إشراك أهل الميدان التربوي. ووفق هذا النموذج، يُصبح الإغلاق الخيار الأسرع، لأنه قرار «إيقاف»، فيما تتطلَّب العودة قرار «تشغيل» يعتمد على جاهزية ميدانية وتنسيق متعدد المستويات.
هذا الفارق بين منطق الإيقاف ومنطق التشغيل «يفسّر جزئياً» لماذا تبدو قرارات الإغلاق أكثر سهولة، في حين تتسم قرارات العودة بدرجةٍ أعلى من التعقيد والتردُّد.
ظهر هذا النمط خلال جائحة كورونا، إذ تحوَّل التعليق المؤقت إلى توقفٍ طويل، وتأخرت العودة الحضورية بشكلٍ ملحوظ، مما يعكس ميلاً إلى «تجميد المنظومة» بدل تشغيلها ضمن ضوابط.
كما تكرَّر المشهد في الأزمة الإقليمية الحالية مع التحوُّل السريع إلى التعليم عن بُعد، مقابل غياب وضوح زمني للعودة.
وفي هذا السياق، يبرز تصريح وزير التربية، بأن «سلامة الطلبة لا تقبل المساومة» كمبدأ مهم، لكنه حوكمياً يحتاج إلى قراءةٍ أعمق. فالسلامة ليست نقيضاً للتعليم، بل هي جزء من تصميمه. وإذا فُهم هذا المبدأ كتبريرٍ لتعليق التعليم الحضوري بالكامل، يبرز تساؤل مشروع: هل الدول التي أعادت فتح مدارسها تُساوم على سلامة طلبتها، أم أنها تبنَّت نهجاً يقوم على إدارة المخاطر بدل تجنبها؟
وهنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من منطق الإيقاف إلى منطق إدارة المخاطر، بما في ذلك استحداث إدارة متخصصة للمخاطر داخل وزارات التربية والتعليم- كما دعا لذلك أخيراً الدكتور إبراهيم الحوطي من جامعة الكويت- كلية التربية، في مقاله بمنتدى الخليج الدولي.
ومن الحجج المطروحة لتمديد إغلاق المدارس، أن الفصل الدراسي قارب على نهايته، لكن هذا المنطق يختزل القضية في عاملٍ زمني ضيِّق، ويتجاهل أبعاداً تربوية ونفسية مهمة. فالفترة المتبقية، وإن كانت قصيرة، تمثل فرصة لاستعادة التفاعل المباشر، ومعالجة الفاقد التعليمي، وتهيئة الطلبة للاختبارات، فيما إبقاؤهم بالمنزل لفترات أطول يحمل كُلفة نفسية وسلوكية، خصوصاً لدى الأطفال واليافعين. كما أن جعل الاختبارات النهائية بطريقة الـ «أونلاين» يُثير تساؤلات حول العدالة وجودة التقييم.
في النهاية، لا تكمن المشكلة في قرار الإغلاق بحد ذاته، بل في غياب المعايير الواضحة التي تحدد متى تُغلق المدارس وكيف تعود، وكيف تُدار المخاطر من دون تعطيل التعليم. فالحل ليس في الاختيار بين السلامة والتعليم الحضوري، بل في الجمع بينهما عبر إدارةٍ واعية للمخاطر داخل المدرسة، بمعايير مُعلنة وخططٍ جاهزة للتطبيق. عندها فقط، لا يُصبح الإغلاق هو القرار الأسهل، بل الاستمرار هو القرار الأكثر جاهزية.
* متخصص في الحوكمة وعضو معهد الحوكمة المعتمد في بريطانيا وأيرلندا