عندما تصبح العيون آذاناً... تتكلم الأيادي
تخيل للحظة أن تستيقظ على دوي خبر حرب، وأن ترى من حولك يركضون، يصرخون، يتحركون بهلع نحو مخارج لا تدركها. تخيل أن كل التحذيرات التي تبث من مكبرات الصوت، وكل النداءات العاجلة التي تملأ الأثير، وكل الإرشادات التي قد تنقذ حياتك... تمر بجانبك كالريح، لا تطرق بابك، لا تصل إلى عالمك، لأنها ببساطة لا تتحدث لغتك. هذه ليست تجربة خيالية، بل واقع يعيشه ملايين من الصم وضعاف السمع في زمن الحرب. فعندما تتعالى أصوات التحذيرات والإنذارات، يبقى هناك من لا يسمعها، ليس لرغبة منه في عدم سماعها، بل لأن العالم لم يخاطبه بلغته، وهنا لم يمتد خطر القذائف والانفجارات لحياة الأفراد فحسب، بل طال أبسط الحقوق الإنسانية، وهي الحق في الفهم والتواصل والوصول إلى المعلومة.
وهنا، تتجلى أهمية لغة الإشارة كجسر نابض يربط هذا الحق بالواقع الصامت. فالأشخاص من ذوي الإعاقة السمعية يواجهون في أوقات النزاع تحديات مضاعفة، إذ تتحول البيئة المحيطة بهم إلى فضاء مليء بأصعدة الدخان دون سماع صوت دوي الانفجارات. وفي هذه الأثناء، يجب علينا من منطلق الوعي، حين تبث نشرات الأخبار وإصدار التعليمات الطارئة أن تصاحبها ترجمة بلغة الإشارة لضمان حصول الأشخاص من ذوي الإعاقة السمعية على حقهم في الوصول إلى المعلومات، وهو حق أساسي نصت عليه المواثيق الدولية، وعلى رأسها اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة. فللترجمة دور حيوي، ليس فقط بوصفها نقلاً لغوياً، بل كأداة حماية ووسيلة إنقاذ. فالترجمة إلى لغة الإشارة تعد شكلاً من أشكال «الترجمة متعددة الوسائط»، حيث تتجاوز الكلمات أفق نقل المعنى عبر الحركة والتعبير البصري.
وفي زمن الحرب خاصة، تتحول هذه الترجمة إلى فعل إنساني مهم، يضمن وصول الرسائل الحيوية إلى جميع أفراد المجتمع دون استثناء. فوجود مترجمي لغة الإشارة في المؤتمرات الصحافية، والبث التلفزيوني، ومراكز الإيواء، يضمن تحقيق مبدأ تكافؤ الوصول إلى المعلومات، ويجسد التزام الدول بمبدأ عدم التمييز، فالترجمة واجب حقوقي يعكس احترام التنوع اللغوي والإنساني.
وترتبط لغة الإشارة والترجمة ارتباطاً وثيقاً بمبادئ حقوق الإنسان، خاصة الحق في الحياة، والحق في الحصول على المعلومات، والحق في الكرامة الإنسانية، ففي غياب الترجمة تقصى فئة كاملة من المشاركة في الحدث العام، وتحرم من اتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بسلامتها. ومن هنا، فإن إدماج الترجمة بلغة الإشارة في خطط الطوارئ والاستجابة الإنسانية يجب أن يكون جزءاً لا يتجزأ من السياسات العامة. ويتطلب ذلك تدريب الكوادر، وتخصيص الموارد، وتبني تقنيات حديثة تضمن وصول الرسائل بشكل مرئي وفوري.
الحرب قاسية، وعمياء، وصماء، فلنحقق ما نصت عليه اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة بوضوح عن حق الصم في الوصول إلى المعلومات بلغتهم، حين تصبح أعينهم هي آذانهم.
* مترجمة وكاتبة وفنانة تشكيلية