النجاح الذي لا يفرح صاحبه

نشر في 17-04-2026
آخر تحديث 16-04-2026 | 18:05
 د. أحمد حسين الفيلكاوي

تظهر النتيجة، ترتفع الزغاريد أو تنهال التهاني، ويبتسم الطالب كما ينبغي أن يبتسم... لكن شيئاً في داخله لا يتحرّك. لا فرحٌ حقيقي، لا اتساعٌ في الروح، فقط راحةٌ مؤقتة تشبه من نجا من بابٍ ضيّق. هنا نفهم أن بعض النجاحات لا تُبهج صاحبها، لأنها لم تُبنَ على معنى، بل على نجاة.

حين يتحول الامتحان إلى معركة بقاء، يصبح النجاح نهايةَ توترٍ أكثر من كونه بدايةَ وعي. وهذا ليس انطباعاً عابراً. ميتا-تحليل حديث في Frontiers in Psychology (Tang et al.، 2023) وجد ارتباطاً سلبياً بين القلق والتحصيل الأكاديمي لدى طلاب الجامعة، أي أن القلق لا يكتفي بإزعاج الطالب نفسياً، بل يهبط معه إلى قلب الأداء نفسه، كما أظهرت دراسة أخرى في المجلة نفسها (Zheng et al.، 2023) أن الضغط الأكاديمي يرتبط بقلق الاختبار، مع حضور واضح لتوقعات الوالدين والعوامل الانفعالية في هذه العلاقة. 

لكن الأخطر من القلق هو المعنى الذي نعلّقه على النتيجة. حين يشعر الطالب أن قيمته كلها معلّقة بدرجته، يصبح النجاح نفسه هشاً، لأنه لا يطمئن النفس، بل يؤجل خوفها فقط إلى الاختبار التالي. أبحاث الجدارة الذاتية الأكاديمية المشروطة تُظهر أن ربط احترام الذات بالأداء الدراسي يرتبط بضعف تقدير الذات لاحقاً، وبارتفاع الضغط وقلق الاختبار والدافعية المضغوطة. هذا ما أشارت إليه أعمال حديثة مثل Lawrence et al. (2021) وFairlamb et al. (2022). 

وهكذا نرى طالباً ينجح... لكنه لا يفرح. يحصل على الدرجة التي أرادها... لكنه لا يشعر أنه صار أعمق أو أهدأ. لأن النجاح، في وعيه، لم يكن ثمرةَ فهم، بل وثيقةَ قبولٍ مؤقت من العالم.

المشكلة ليست في أن نفرح بالنتائج، بل في أن نختزل الرحلة كلها في لحظة إعلانها. أن نربّي أبناءنا على أن الفرح لا يُقاس فقط بما كتبته الورقة، بل بما تركته التجربة فيهم: هل صاروا أصلب؟ أصدق؟ أهدأ؟ هل تعلّموا كيف يفهمون، لا فقط كيف يتذكّرون؟ وهل خرجوا من التجربة أكثر قرباً من أنفسهم، أم أكثر خوفاً من الجولة القادمة؟

وربما يبدأ الإصلاح من سؤال صغير بعد كل نجاح: ليس «كم جبت؟» فقط، بل «ماذا تعلّمت عن نفسك؟»، ليس «هل سبقت غيرك؟»، بل «هل نضجتَ قليلاً عمّا كنت؟».

فاسأل نفسك: هل نجاح أبنائنا يُبهجهم حقاً... أم يريحهم من الخوف قليلاً؟ وهل نصنع في بيوتنا طلاباً يحبون التعلّم... أم طلاباً يطاردون لحظة النجاة؟

بعض النجاحات جميلة في الصورة... لكنها فارغة من الداخل. والتربية الحقيقية هي أن نعيد إلى النجاح روحه، لا شكله فقط.

 

back to top