عزيزي القارئ: لهذا كانت الحرب

نشر في 13-04-2026
آخر تحديث 12-04-2026 | 18:31
 د. بدر عثمان مال الله

بين قمعٍ داخلي، ونفوذٍ يتجاوز الحدود، وأذرعٍ تُهدِّد استقرار المنطقة، وتسلُّحٍ يُثير القلق، يضع السلوك الإيراني المجتمع الدولي أمام اختبارٍ حقيقي، إما بفرض القانون وحماية نفسه، أو الانزلاق نحو فوضى القوة، مما يجعل الحرب الحالية نتيجة تراكمية لمسارٍ طويل، لا لحظة تصعيد عابرة. 

إن فهم سلوك إيران يتطلَّب قراءة عميقة لطبيعة النظام السياسي الذي يحكُمها. فهذا النظام يقوم على مركزيةٍ صارمةٍ، وإطارٍ أيديولوجي متشدِّد يؤثر بشكلٍ مباشر في صناعة القرار، ليس داخلياً فقط، بل في امتداداته الخارجية أيضاً. 

ومن هنا، يُصبح السلوك الإيراني الإقليمي انعكاساً مباشراً لبنيةٍ داخلية ترى في النفوذ الخارجي جزءاً من معادلة البقاء والاستمرار. فإيران لا تتحرَّك في حدود أفكارها فحسب، بل تُصدِّرها حيثما استطاعت، ضمن عقيدة «تصدير الثورة». ولا يقف الأمر عند حدود القمع الداخلي، الذي يتولاه «الباسيج»، بل يتجاوزه عبر أدوات شرسة، في مقدمتها الحرس الثوري الإيراني وفيلق القدس، اللذان يُشكلان ذراعاً تنفيذية في إدارة النفوذ خارج الحدود. فهذه المؤسسات لا تعمل ضمن الإطار التقليدي للدولة، بل تتجاوز ذلك إلى بناء شبكات تأثير معقدة، تمتد أذرعها في أكثر من ساحةٍ إقليميةٍ بلباسٍ وطني، مما يمنح هذا النفوذ طابعاً مراوغاً يصعب احتواؤه بالوسائل التقليدية. وحين تتحوَّل الأدوات إلى شبكات عابرة للحدود، يُصبح النفوذ واقعاً خطيراً لا يمكن تجاهله. 

وفي موازاة ذلك، استثمرت إيران بشكلٍ كبيرٍ في تطوير قُدراتها العسكرية، خصوصاً في مجالات الصواريخ والطائرات المسيَّرة، إلى جانب برنامج نووي يُثير قلقاً دولياً متزايداً. هذه القدرات لا تُستخدم فقط كوسيلة دفاع، بل كأداة ردعٍ وتأثير، تعزز من حضورها في معادلات القوة الإقليمية، وتمنحها هامشاً أوسع في التوسع والسيطرة. والقوة حين تُبنى بلا توازن، تتحوَّل من وسيلة حماية إلى أداة فرض واقع. 

ويمتد الحضور الإيراني إلى ساحات متعددة، عبر ميليشيات مسلَّحة في دول، مثل: لبنان، والعراق، واليمن، وخلايا نائمة منتشرة، مما يعكس نمطاً من النفوذ غير المباشر الذي يُعيد تشكيل التوازنات الداخلية في هذه الدول. هذا الامتداد لا يمر من دون كُلفة، إذ يخلق بيئات توتر مستمرة، ويُضعف من قُدرة الدول على إدارة شؤونها، بعيداً عن التأثيرات الخارجية. وحين تتداخل الجغرافيا الوطنية بالولاءات الخارجية، تُصبح السيادة معادلةً معقدة لا تُحل بسهولة. 

وفي ظل هذه المعطيات، يبرز تحدٍّ أكبر يتعلَّق بمدى التزام السلوك الإيراني بقواعد القانون الدولي. فالعدوان المتكرِّر على دول الخليج وإغلاق مضيق هرمز جزء من عقيدة طهران، ويتجاوز كل الخطوط الحُمر، ويعكس نمطاً تصعيدياً يختبر حدود النظام الدولي، ويضع مؤسساته أمام اختبارٍ حقيقي لفرض القانون، ويطرح تساؤلات جدية حول قدرة المؤسسات الدولية والمجتمع الدولي على فرض القانون. القانون الذي لا يُختبر لا يُثبت قوته، والقانون الذي لا يُفرض يفقد معناه. 

إن استمرار هذا النمط من السلوك، الذي يتقاطع فيه القرار السياسي مع أدوار الحرس الثوري الإيراني وأذرعه الخارجية، يكشف أن ما يجري ليس مجرَّد سياسات ظرفية، بل استراتيجية توسعية متكاملة تُدار بأدوات عسكرية وأمنية عابرة للحدود. 

هذا الواقع لا يضع المنطقة أمام تحدٍّ أمني فقط، بل أمام نموذج يسعى لإعادة تشكيل موازين القوة خارج إطار الدولة التقليدية، مستفيداً من الفوضى التي يخلقها، ومُراكماً نفوذه على حساب استقرار الدول. وحين تتحوَّل الدولة إلى مشروع نفوذ عابر للحدود، يُصبح الاستقرار هو الخاسر الأول. 

إن أخطر ما في النموذج الإيراني ليس فقط أدواته، بل قُدرته على التكيُّف والاستمرار، حيث يتحرَّك عبر مسارات متعددة، سياسية، وعسكرية، وأمنية، مما يجعله أكثر تعقيداً من أن يُواجه بردود فعل تقليدية. فالتحديات المركَّبة لا تُواجه بخطابات، بل باستراتيجيات بحجمها. 

إن تجاهل النموذج الإيراني، أو الاكتفاء بإدانته بالبيانات السياسية، لم يعد خياراً قابلاً للاستمرار، بل يمنح هذا النهج مساحةً أوسع للتمدُّد، وترسيخ الأمر الواقع. فالتعامل مع نموذج بهذا التعقيد والتمدُّد يتطلَّب وضوحاً في التشخيص، وحزماً في المواجهة، بما يضمن ردع هذا التمدُّد، ووضع حدٍّ لتداعياته على أمن المنطقة والعالم. فالتحدي لم يعد في فهم الخطر، بل في امتلاك الإرادة لإيقافه، قبل أن يتحوَّل إلى واقع دائم، ولهذا كانت الحرب.

back to top