طاولة المفاوضات من فيتنام إلى إيران

نشر في 13-04-2026
آخر تحديث 12-04-2026 | 18:23
 حمزة عليان

في إسلام آباد سيُكتب الفصل الأخير من حرب الـ 41 يوماً بوثيقةٍ ربما تكون نهائية. أما كيف تُقرأ هذه المفاوضات من خلال الوجوه المشاركة، فتلك لها دلالات تعكس حجم وقوة الطرفين المفاوضين.

يبدو أن نهج التفاوض يسير على مبدأ الصفقات، وهي الصورة الأكثر تعبيراً عن مدرسة «الدبلوماسية التجارية» القائمة على تحقيق مكاسب متبادلة.

إيران تفاوض من دون رأس، وفي غياب قائدٍ فعليٍ وصاحب قرار، ومن خلال وفد يعكس وجهين: الصلابة الأمنية (قاليباف)، والمرونة الدبلوماسية (عراقجي). أما أميركا، فتجمع بين الوزن السياسي (فانس)، والنهج القائم على الصفقات (كوشنر - ويتكوف).

ووفق خبراء دوليين، فإن وجود شخصيات ذات خلفيات أمنية وسياسية واقتصادية يُشير إلى التوجه نحو دبلوماسية الصفقات.

اختيار المفاوضين لا يقل أهميةً عن مضمون المفاوضات نفسها، وقد تبدأ التفاهمات باتفاقيات مرحلية تقوم على مبدأ «خطوة مقابل خطوة»، بدلاً من اتفاقٍ شاملٍ وفوري.

طاولة التفاوض أشبه بمرآة تعكس ما حصل في ميدان المعركة على الأرض.

سياسة «الخطوة مقابل خطوة» تذكِّرنا بصاحبها (هنري كيسنجر)، وهو من أبرز المفاوضين في القرن الـ 20 على مستوى الشرق الأوسط، كذلك ريتشارد هولبروك، الوسيط الأميركي الذي قاد اتفاقية «دايتون 1995»، والتي أنهت حرب البوسنة، اشتهر بأسلوبه الحازم والمباشر في إدارة المفاوضات المعقدة.

في أجواء التفاوض تذهب الأنظار إلى معرفة الأسماء التي تقود التفاوض، وهل تتمتع بكاريزما معينة ولديها مهارات وقُدرات غير عادية، أم أنهم مجرَّد مبعوثين يحملون تعليمات ورسائل.

مفاوضات باريس حول إنهاء التدخل العسكري الأميركي في فيتنام عام 1973، أبرزت أحد أهم المفاوضين، ويُدعى لي دوك تو، الذي مُنح جائزة نوبل للسلام، مشاركةً مع وزير الخارجية الأميركي آنذاك هنري كيسنجر، لكنه رفضها، لأن القتال استمر بعد توقيع الاتفاق، وهو موقف عزَّز صورته كمفاوضٍ قوي.

جرت مفاوضات سريَّة، وأخرى علنية، دامت حوالي خمس سنوات، كان فيها الدبلوماسي الفيتنامي لي دوك تو الوجه الأكثر حضوراً وتأثيراً، فهو مفاوض عنيد امتلك صبراً استراتيجياً، وعُرف بأسلوبه الصارم والهادئ في آنٍ معاً، ولجأ إلى الدبلوماسية السريَّة، وهو ما ساعده على تجاوز العقبات.

السؤال: ما دلالات مفاوض باريس على ضوء ما نشهده في باكستان؟ نحن أمام مشهدين مختلفين تماماً من حيث أرضية المعركة، وما نتج عنها طيلة الحرب، أو من حيث الأهداف التي يتوخاها. وفي كل الأحوال يبقى الحدث مرهوناً ليس فقط بالجلوس وراء الطاولة وجهاً لوجه، بل بمَنْ يُفاوض، وحول ماذا، وكيف ستُترجم فكرة النصر التي يتبناها الطرفان المتفاوضان.

خُلاصة الأمر، في باريس لم تكن الطاولة مجرَّد خشبٍ تتقابل حوله الوفود، بل كانت ساحة معركة من نوعٍ آخر، حيث جلس لي دوك تو في مواجهة هنري كيسنجر على وقع سنوات من الحرب. صاغ الرجلان اتفاقاً أنهى أطول الحروب الأميركية، مؤكدين أن الدبلوماسية قد تحسم ما تعجز عنه البنادق. فهل نشهد في إسلام آباد شيئاً يُشبه ما حدث في باريس؟

back to top