حين يصبح الامتحان هو الهدف

نشر في 10-04-2026
آخر تحديث 09-04-2026 | 18:18
 د. أحمد حسين الفيلكاوي

 

في ليالي الامتحانات يتغيّر شكل البيت، تخفّ الضحكات، تعلو الهمسات، يصبح الوقت فجأةً عدواً يركض أسرع من الطالب. الكتب مفتوحة، والعيون مفتوحة، لكن السؤال الحقيقي لا يقال بصوت عالٍ: هل نحن نستعد لامتحان... أم نستعد لمعركة تثبت من نحن؟

هنا تبدأ المشكلة، فالامتحان، في أصله، وسيلة قياس، لكننا حوّلناه بهدوءٍ قاسٍ إلى غايةٍ كاملة، حتى صار الطالب يذاكر لا ليفهم، بل ليعبر، وصار النجاح في وعي كثيرين ورقة تُعلّق على الجدار، لا خبرةً تغيّر الإنسان من الداخل.

علم النفس التربوي يضيء هذا التحوّل بوضوح، فالبحوث حول قلق الاختبار تؤكد أنه ليس انزعاجاً عابراً، بل حالة نفسية ترتبط بانخفاض الأداء الأكاديمي وبالاستنزاف الذهني إذا خرجت عن حدودها المعقولة. ميتا-تحليل حديث في Frontiers in Psychology (Tang et al. 2023) أظهر ارتباطاً سلبياً بين القلق والتحصيل الأكاديمي لدى طلبة الجامعة، كما بينت دراسة Yusefzadeh وآخرين (2019) أن طريقة إعداد التقييم نفسها يمكن أن تخفض القلق، فعندما يشعر الطالب أن درجته لا تتوقف كلها على اختبارٍ واحد، ينخفض الضغط ويصبح الأداء أهدأ.

لكن الأخطر من القلق نفسه هو أن تتحول قيمة الإنسان إلى نتيجة امتحان. أبحاث «الجدارة الذاتية المشروطة أكاديمياً» توضح أن الطالب حين يربط احترامه لنفسه بدرجته فقط، يصبح أكثر هشاشة أمام الإخفاق، وأكثر عرضةً لقلق الاختبار وتقلّب تقديره لذاته. هذا ما أشارت إليه دراسات Lawrence وWigfield (2009)، كما دعمته أعمال لاحقة مثل van der Kaap-Deeder وآخرين (2016). هنا لا يعود الامتحان أداة قياس، بل محكمة نفسية.

ولذلك نرى طلاباً يحفظون كثيراً... ويفهمون قليلاً. يركضون خلف الدرجة لا الفكرة. يخافون من الخطأ لا لأنهم لا يريدون التعلّم، بل لأن الخطأ صار تهديداً لصورتهم أمام البيت والمدرسة والعالم.

المشكلة ليست في وجود الامتحان، بل في المعنى الذي ألصقناه به. حين نُشعر الطالب أن ورقة الاختبار أكبر من روحه، فإننا لا نخرّج متعلّماً قوياً، بل نخرّج إنساناً مرتبكاً يظن أن كل تعثر فضيحة، وربما يبدأ الإصلاح من لغتنا نحن: أن نسأل بعد الاختبار «ماذا فهمت؟»، قبل أن نسأل «كم تتوقع؟»، وأن نعيد للطالب حقه في أن يكون أكثر من رقمه.

فاسأل نفسك: هل نربّي أبناءنا على التعلّم... أم على النجاة؟ وهل الامتحان في بيوتنا يقيس الفهم... أم يقيس مقدار الخوف؟ حين يصبح الامتحان هو الهدف يضيع الهدف الحقيقي من التعليم.

 

back to top