
لم يعُد العدوان الإيراني على الكويت ودول الخليج حادثاً عابراً يمكن احتواؤه أو تجاوزه، بل أصبح سلوكاً عدوانياً ممنهجاً يتعمد تقويض النظام الدولي وضرب قواعده الأساسية. فاستهداف المنشآت المدنية ومرافق الطاقة لا يُعد مجرد تصعيد عسكري، بل اعتداء مباشر على ركائز الاستقرار الاقتصادي والإنساني، وتهديد صريح لأمن المنطقة والعالم. ومع تعمّد ضرب ما يمس حياة الناس ومعيشتهم، فإن هذه الأفعال ترتقي بوضوح إلى مستوى جرائم الحرب التي لا تسقط بالتقادم ولا تُبرَّر بأي ذريعة. وحين تُستهدف الحياة المدنية، لا يعود الصراع نزاعاً، بل يُصبح جريمة تستوجب الحساب. العدوان الإيراني لا يمس سيادة الدول فحسب، بل يضرب في صميم النظام الدولي القائم على احترام القواعد والمواثيق. والهجوم الإيراني على منشآت الطاقة، التي تمثل شريان الاقتصاد العالمي، لا ينعكس على الدول المستهدفة وحدها، بل يمتد أثره إلى استقرار الأسواق وإمدادات الطاقة عالمياً، ويهدد أحد أعمدة الاقتصاد العالمي. وهنا لم يعد الأمر شأناً إقليمياً محدوداً، بل تحوّل إلى اختبار حقيقي لقدرة العالم على حماية مصالحه المشتركة من الانهيار. فالأمن لم يعد محلياً، بل منظومة مترابطة، وإذا اهتزّ جزء منها، اهتزّ العالم بأكمله. وفي هذا السياق، لم يكن موقف مجلس الأمن الدولي بإدانة العدوان الإيراني مجرد موقف دبلوماسي عابر، بل اعترافاً صريحاً بخطورة المسار الذي تنزلق إليه المنطقة، ودعوة واضحة لوقفه، تعزّزها مواقف دولية أخرى تدرك حجم التهديد. غير أن الإدانة، رغم أهميتها، تفقد قيمتها إذا لم تتحول إلى إجراءات حازمة تفرض الالتزام بالقانون وتمنع تكرار الانتهاكات. وهنا تبرز ضرورة تفعيل الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، بوصفه الإطار القانوني الملزم الذي يتيح اتخاذ تدابير رادعة تتجاوز الإدانة إلى التنفيذ، بدءاً بالعقوبات وصولاً إلى الإجراءات الجماعية لحفظ الأمن والسلم الدوليين. فالقانون الذي لا يُفرض، لا يُحترم، وحين يغيب الإنفاذ، تتحول النصوص إلى ديكور قانوني في عالم تحكمه الفوضى. إن اللجوء إلى الفصل السابع ليس تصعيداً، بل استعادة لهيبة النظام الدولي، ورسالة واضحة بأن المجتمع الدولي لن يقف متفرجاً أمام انتهاكات تهدد الاستقرار العالمي. فالتجارب أثبتت أن التهاون في تطبيق القانون لا يؤدي إلى التهدئة، بل يشجّع على مزيد من التمادي، ويمنح المعتدي مساحة أوسع لفرض وقائع جديدة. ومن هنا، فإن تفعيل الفصل السابع لم يعد خياراً سياسياً، بل استحقاقاً دولياً لا يحتمل التأجيل، لحماية الدول المستهدفة وصون مصداقية النظام الدولي نفسه. فالردع الحقيقي يبدأ بالإدانة ويُستكمل بفرض احترام القانون على من ينتهكه. في خضم هذا المشهد، تتعامل الكويت بحكمة الدولة لا بردة الفعل، مدركة أن حماية سيادتها لا تكون فقط بالرد المباشر، بل بإدارة الأزمة ضمن إطار قانوني وسياسي متماسك. فهي ترفض هذا العدوان بوضوح لا لبس فيه، وتتمسك بحقها المشروع في الدفاع عن أراضيها، لكنها في الوقت ذاته ترفض الانجرار إلى تصعيد غير محسوب قد يوسّع دائرة الخطر ويضاعف كلفته. فالسيادة ليست في سرعة الرد، بل في القدرة على اختيار شكله وتوقيته ومساره. النهج الكويتي يعكس وعياً استراتيجياً متقدماً بطبيعة هذا الصراع وتعقيداته، حيث لا تكون القوة في التصعيد وحده، بل في القدرة على ضبطه وتحديد حدوده. فالدولة التي تدرك حدود المواجهة وتوازن بين الردع والاستقرار، هي وحدها القادرة على حماية نفسها دون أن تتحول إلى جزء من فوضى أكبر. الكويت لا تقف في هذا المشهد كدولة مترددة أو ضعيفة، بل كدولة تدافع عن سيادتها بمنطق القانون، وتواجه الفوضى بالعقل لا بالاندفاع. ومع تصاعد التهديدات، لم يعد الاكتفاء بالإدانة كافياً، بل أصبح الانتقال إلى تفعيل الفصل السابع ضرورة حتمية لفرض احترام القانون الدولي بأدواته الملزمة. فالرهان الحقيقي اليوم ليس بالإدانة السياسية، بل بقدرة المجتمع الدولي على فرض القانون، وإلا فإنه يُسلّم زمامه لفوضى نظام عدواني مارق.