التوقعات التي تصنع طالباً

نشر في 03-04-2026
آخر تحديث 02-04-2026 | 17:31
 د. أحمد حسين الفيلكاوي

بعض الطلاب لا يسقطون لأنهم عاجزون... بل لأن أحداً أقنعهم، بصمتٍ طويل، أنهم أقلّ مما يمكن أن يكونوا. وفي المقابل، هناك من ينهضون لأن معلّماً واحداً نظر إليهم كما لو أنهم مشروع احتمالٍ جميل لم يكتمل بعد.

المعلّم لا يشرح الدرس فقط، أحياناً يشرح للطالب نفسه دون أن يشعر. نبرةُ صوته، نوعُ أسئلته، مساحةُ الصبر التي يمنحها، وطريقةُ تعليقه على الخطأ... كل ذلك قد يقول للطالب شيئاً أخطر من أي درس: أنت قادر، أو: لا أتوقع منك كثيراً.

هذه ليست مبالغة أدبية. تجربة Rosenthal وJacobson (1968) المعروفة باسم Pygmalion in the Classroom قامت على إخبار بعض المعلّمين أن طلاباً معيّنين مرشحون لنمو أكاديمي أسرع، مع أن الاختيار كان عشوائياً. النتيجة أن أثر التوقعات ظهر في أداء بعض هؤلاء الطلاب، خصوصاً في المراحل المبكرة، لأن نظرة المعلّم نفسها بدأت تغيّر طريقة تعامله معهم.

ومن زاوية أخرى، تشرح Carol Dweck في أعمالها حول «عقلية النمو» أن الطالب حين يشعر أن قدرته قابلة للتطور، وأن الجهد ليس علامة نقص بل طريق نمو، يصبح أكثر قابلية للمحاولة بعد الإخفاق، أما حين يُعامل الذكاء كحكمٍ نهائي فإن الخطأ يتحول إلى تهديد للهوية، لا مجرد محطة في التعلّم. 

ولهذا، ليست المشكلة دائماً في المنهج، بل في السقف النفسي الذي نضعه فوق رأس الطالب.

بعض المعلمين — بحسن نية — يوزّعون داخل الصف أحكاماً غير مكتوبة: هذا «شاطر»، وهذا «عادي»، وهذا «لن يتغيّر»، ثم يبدأ كل طالب في السكن داخل الاسم الذي وُضع له.

تحليلات John Hattie في Visible Learning تبين أن أثر المعلّم لا يُختصر في شرح المحتوى، بل يتعزّز بقوة مع جودة التغذية الراجعة، وارتفاع التوقعات، وقوة العلاقة بين المعلّم والطالب، وهي من بين المؤثرات ذات الأثر الواضح في التعلّم. 

لهذا، فالتوقع التربوي ليس شعوراً داخلياً بريئاً، إنه مناخ.

حين يدخل الطالب صفاً يشعر فيه أن المعلّم يراه أكثر من درجته، وأكثر من تاريخه السابق، وأكثر من لحظته الحالية، يبدأ في التحرر من صورته القديمة. وحين يدخل صفاً آخر يلتقط منه رسالة خفية تقول: «لن تأتي منك»، فإنه قد يتعلّم الانسحاب قبل أن يتعلّم الفهم.

ربما لا يحتاج بعض الطلاب إلى شرحٍ أكثر... بل إلى عينٍ تربوية لا تستعجل الحكم، ولسانٍ لا يوزّع السقوف، وصبرٍ يمنحهم فرصة أن يصبحوا أكبر من أول انطباع.

فاسأل نفسك: كم طالباً في صفوفنا يعيش داخل توقّعاتنا نحن... لا داخل قدراته هو؟ وكم كلمة نقولها على عجل، ثم تمكث في داخله سنوات؟ فالطالب لا ينمو فقط بما نعلّمه... بل أيضاً بما نتوقّعه منه.

back to top