إنها بشعة وآلامها لا تموت
في حوار جرى بيني وبين الأديبة والشاعرة عبير ريدان، وجّهَت إلي سؤالاً... أليس للثقافة مكانة في الحروب؟
الحقيقة أن الحروب أنتجت أعمالاً أدبية خالدة وثقت المآسي الإنسانية، وهذا ملمح إنساني رائع بعظمته رغم هول وفجاعة القتل والتدمير، الذي يصيب الناس والآمنين والمسالمين.
قد تكون الثقافة من حيث الأنشطة والفعاليات ضحية للحروب في اللحظة الراهنة والحرجة، لكنها ليست كذلك على الدوام.
وبخلاف الروائع التي أتحفنا بها تولستوي «الحرب والسلم» وهمنغواي «وداعاً للسلام» وغيرها، هناك أعمال أدبية عربية خرجت من رحم الحروب، ومنها «الرصاصة لا تزال في جيبي» لإحسان عبدالقدوس، و»حكايات الغريب» لجمال الغيطاني.
وإذا ما نظرنا إلى حالة الغزو العراقي على دولة الكويت عام 1990 فسنطالع عدداً لا بأس به من الروايات التي كتبها روائيون وأدباء كويتيون منها «هل تسمحون لي أن أحب وطني؟» للشاعرة والأديبة الدكتورة سعاد الصباح، و»طيور التاجي» لإسماعيل فهد إسماعيل، و»فئران أمي حصة» لسعود السنعوسي، و»ثؤلول» لميس خالد العثمان، وبالتأكيد هناك أعمال أخرى لا يحضرني عناوينها وقت كتابة هذا المقال.
في الحرب الدائرة منذ السبت 28 فبراير 2026، والتي لا نعرف متى ستتوقف، غاب المشهد الثقافي وحلّ مكانه أسطول من وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تسيّدت «كتيبة الإعلام» إلى جانب المحطات التلفزيونية بنقلها للحدث مباشرة بالصوت والصورة من أرض الميدان.
هذا الغياب لا يعني الوقوف على الحياد، بل يبقى المثقف وصاحب الرأي سلاحه هو الكلمة، إنما متى تخرج فهذا أمر عادة يأتي بعد الطوفان.
الصراع الدامي ورعب الموت والغدر والندوب التي وصلت إلينا من جار السوء لابد أن تأخذ مداها الطبيعي، فهي ولادة تنبت من جراح الوطن وآلامه.
ومثلما فعلت أزمة كورونا في حياة البشر والمجتمعات حين انزوت عن الشاشة لتحتمي بالمنزل، كذلك الحروب تفعل فعلها فقد حلّت البيوت مكان المدرسة والجامعة والشركة والوزارة ماعدا حراس الوطن من العسكر والداخلية والمنظومة الأمنية، فهؤلاء قدرهم وعطاؤهم أن يكونوا في الصفوف الأمامية، وإذا كان الوباء العالمي خرق الحواجز والحدود الجغرافية، ورسمت الدول طرق الوقاية، وحددت مسارات العمل ومواعيد الخروج إلى الشارع للتنزه بعد الحظر، ونوع التطعيمات الواجبة، فالحرب الحالية أشد فتكاً وضرراً فلا نعرف متى يحين موعد إيقافها ولا المجالات التي ستشملها. في كل الأحوال لا شيء حتى اللحظة يوحي بالهدوء على الجبهات المفتوحة.
أتذكر عبارة قيلت في أجواء الحروب إنها بشعة وآلامها لا تموت، وعليه فلن يكون زمن الحرب قابلاً للنسيان أو يمكن تجاوزها بل سيبقى أثرها في ذاكرتنا، فقد زرعت في قلوبنا مشاهد وصوراً وحكايات لا تمحى.
ستبقى الكويت عصية على أن تنكسر، فتاريخها يحمل بداخله مناعة تجعله قادراً على صد الغزوات والحروب، ليخرج منها أكثر ثباتاً وإيماناً بحقه في الحياة والوجود، وصوناً لأرضه وكرامته.