من صيد الخاطر: من خان وطنه خان عرضه ودينه

نشر في 20-03-2026
آخر تحديث 19-03-2026 | 17:39
 طلال عبدالكريم العرب

«من خان وطنه، خان عرضه ودينه»، القول واضح، فمن هان عليه بيع وطنه سهل عليه بيع عرضه، وتخلّى عن دينه. خيانة الوطن من أقسى أنواع الغدر، وقد وصفتها الأمثال والحكم بأنها ذنب لا يُغتفر، وخراب يشمل كل الوطن.

الله سبحانه حذّر من الخيانة بكل أشكالها، سواء كانت خيانة الأمانة، أو العهد، أو الوطن، أو الدين، فقال تعالى في ذلك: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ»، والوطن هنا أمانة، وقال محذراً الخائن: «وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ»، وموضحاً كراهيته له في قوله: «إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا»، و«وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ».

رسول الله ﷺ، قال في الخائن: «آية المنافق ثلاث، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتُمن خان»، فالوطن هنا أمانة، وقال ﷺ متوعداً الغادر، أي الخائن: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُرْفَعُ لَهُ بِقَدْرِ غَدْرِهِ، أَلَا وَلَا غَادِرَ أَعْظَمُ غَدْرًا مِنْ أَمِيرِ عَامَّةٍ»، وتبرأ ﷺ من الخائن فقال: «من حمل علينا السلاح فليس منا، ومن غشنا فليس منا»، والغش هنا هو نوع من أنواع الخيانة للوطن.

وهناك أقوال عن خيانة الوطن، منها: «الوطن شجرة، والخائن فأسٌ في يد الغريب»، و«من باع وطنه بالذهب، خسر الذهب والوطن»، و«خيانة الوطن طعنة في قلب الأم»، مشبهاً الوطن بالأم التي لا تُعوض.

وهناك خيانات حصلت على مر التاريخ، وأدت إلى سقوط أمم، منها الخيانة العظمى التي لا تزال ماثلة في الوجدان العربي والإسلامي، إنها خيانة الوزير مؤيد الدين بن العلقمي للخليفة المستعصم بالله، فخيانته أدت إلى سقوط بغداد في يد المغول، ليقوموا بعدها بواحدة من أبشع المجازر في التاريخ بقتلهم مئات الآلاف، وحرقهم مكتبة بغداد العظيمة.

خيانة ابن العلقمي لم تنفعه بشيء، فلم يُنَصّبه هولاكو ملكاً كما كان يحلم، بل أبقاه ذليلاً تحت إمرته، وعاش ما بقي من حياته محتقراً من المغول، وقد روي أن امرأة مغولية رأته يركب دابته والناس يسبونه، فقالت له: «يا ابن العلقمي، أهكذا كان حالك في أيام ابن عمك، تقصد الخليفة؟»، وقيل إن جنود المغول كانوا يسخرون منه ويجبرونه على القيام بأعمال مهينة.

مات الخائن ابن العلقمي بعد سقوط بغداد بأقل من عام، قهراً وندماً، بعد أن رأى بعينيه ضياع مجده وازدراء الجميع له، حتى من أسياده الذين خدمهم بخيانته.

غالباً ما يتوهم الخائن أنه سينال شأناً عظيماً لدى من باع وطنه لهم، ولكن التاريخ يثبت أن الخونة يعيشون في ظلهم محتقرين، ويظل الخائن مطارداً بلعنة التاريخ، فلا يُذكر اسمه إلا مقترناً بالخزي والعار.

الخائن لا يجب أن يفلت بجرمه، وقد أجمعت القوانين قديمها وحديثها على أن عقوبة خيانة الوطن هي الإعدام، مع مصادرة كل أملاك الخائن، وتجريده من كل حقوقه، ووصمه بعار أبدي.

back to top