الكويت... صفاً واحداً خلف قيادتها
العدوان الإيراني على الكويت ودول الخليج ليس خروجاً صارخاً على قواعد القانون الدولي فحسب، ولا تجاوزاً بيِّناً لأخلاق العلاقات بين الدول فقط، بل هو كذلك خطأ استراتيجي أضرَّ بإيران نفسها وبعلاقات حُسن الجوار. فتحويل أراضي دولٍ آمنة إلى مسرح رسائل عسكرية، بذريعة استهداف طرفٍ ثالث، هو مساس مباشر بسيادةٍ لم تُستعمل يوماً للإضرار بالغير. وبوصفي كويتياً حريصاً على سلامة وطني، أرى أن الدفاع عن الكويت ليس موقفاً عاطفياً، بل هو التزامٌ قانوني وأخلاقي بحماية حقها في أن تبقى خارج صراعات لا علاقة لها بها. فالكويت ليست ساحةً مفتوحة لتصفية الحسابات، بل دولة ذات سيادة كاملة، تُحترم حدودها، كما تُحترم إرادتها، أياً كانت ذرائعية العدوان الإيراني.
الذرائع التي تُساق لتبرير الاعتداءات الإيرانية، بدعوى ارتباط الكويت بعلاقات استراتيجية أو اتفاقات اقتصادية أو ترتيبات أمنية، لا يقرّها منطق، ولا يسندها قانون. فهذه العلاقات تُبرم باتفاقات سيادية مشروعة، وهي ممارسة معترف بها دولياً، ولا تُسقط حصانة الدولة المضيفة، ولا تُحوِّلها إلى هدفٍ مشروع.
إن الذرائع التي تغلف بها العدوان الإيراني تضرب التعاون المشروع بين الدول في مقتل، وتحوِّل العلاقات الدولية إلى فوضى تتنازعها القوة وحدها، وذلك منحدر لا يجوز القبول به ولا السكوت عنه.
إن ميثاق الأمم المتحدة، وهو الأساس والمنطلق للقانون الدولي، واضح لا لبس فيه، إذ يحظر حظراً باتاً التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد سلامة أراضي أي دولة أو استقلالها السياسي تحت أي ذريعة. وإذا طالت الاعتداءات مواقع مدنية أو بنى تحتية غير عسكرية وأرواح المدنيين، فإن ذلك لا يشكِّل خرقاً لقواعد القانون الدولي العام والإنساني فحسب، لكنه يرقى إلى جرائم الحرب. فحماية المدنيين، في القانون الدولي التزام قانوني وأخلاقي يحفظ كرامة الإنسان في أحلك الظروف. ومَنْ يستخف بهذه القواعد لا يغامر بإضعاف النظام الذي يحمي المدنيين عند اشتداد النزاعات فحسب، لكنه يضع نفسه كذلك تحت محاسبة مشروعة من المجتمع الدولي. في مواجهة هذه التحديات، تتجلَّى قوة الكويت الحقيقية في وحدتها الوطنية الصلبة. فقد أثبت الشعب الكويتي، كما فعل في محطات تاريخية مفصلية، أنه يقف صفاً واحداً خلف قيادته، ملتفاً حول ثوابته، مؤمناً بأن أمن الوطن فوق كل اعتبار.
حين تتعرَّض السيادة للاختبار، لا يُسمع إلا صوت الوطن، ولا يُرفع إلا علمه، ولا تُقدَّم إلا مصلحته العليا. فوحدتنا الوطنية ليست شعاراً يُتداول، بل هي درع واقية وسند ثابت في وجه العواصف.
لقد عُرفت الكويت بتمسُّكها بالشرعية الدولية نهجاً لا شعاراً، وباختيارها الحوار سبيلاً لتسوية النزاعات. لم تبادر بعدوان، ولم تنتهك سيادة جار، واعتمدت دائماً القانون إطاراً يحكم علاقاتها. ومن هنا، فإن تمسُّكها بحقها الأصيل في الدفاع عن النَّفْس، في حدود ما يتيحه القانون الدولي، هو امتداد لهذا النهج، لا خروج عليه.
حماية الوطن لا تعني الانزلاق إلى الفوضى، بل تعني صون الاستقرار بحكمة، ورد الاعتداء بحزمٍ منضبط لا يفرّط بالقيم، وهذا ما عُرفت به الكويت.
إن الكويت اليوم أقوى بوحدتها، وأثبت بشرعيتها، وأرسخ بإيمان شعبها بعدالة قضيتها. فالدول تُختبر في الأزمات، والكويت أثبتت أن تماسُكها الداخلي هو حصنها الأول، وأن احترامها للقانون هو سندها في المجتمع الدولي.
السيادة إذا صِينت صانَت السلام، والوحدة إذا تماسكت حمت الأوطان، والكويت، قيادةً، وشعباً، ستبقى صفاً واحداً، لأن الكويت حين تُمتحن لا تنقسم، بل تزداد تماسكاً وثباتاً.