ريستارت للحياة: لا تُسكن حياتك بمن دون قدرك

نشر في 06-03-2026
آخر تحديث 05-03-2026 | 17:08
 أميرة الحسن

ثمة لحظات في الحياة يكتشف فيها الإنسان أنه طالما ساكن ما لا يشبهه، واعتاد ما لا يليق بروحه. نمضي سنوات نقبل بما يُعرض علينا كأنه القدر الوحيد الممكن، فنخلط بين الحكمة والتنازل، وبين التواضع والرضا بالدون، حتى نفيق فجأة لنجد أننا أسكنا أرواحاً من ذهب في غرفٍ من خشب.

ولأن كل شيءٍ قابل لإعادة التشغيل... حتى نحن، فإننا في هذا الأسبوع نتوقف قليلاً لنأخذ لحظة تأمل صادقة، نعيد فيها النظر في اختياراتنا، ونسأل أنفسنا بهدوء: هل ما نتمسك به يليق حقاً بما نحن عليه؟ أم آن الأوان أن نضغط زر «ريستارت»... ونبدأ من جديد؟

ما يليق بالإنسان ليس ترفاً فكرياً ولا رفاهية نفسية، بل هو شرط من شروط العيش الحقيقي. أن تختار ما يشبه روحك، وما يتسع لفكرك، وما يطمئن له قلبك، هو أول أشكال الوفاء للنفس. فلا يصح أن تمضي السنون وأنت في مكانٍ يضيق بك، أو بين أشخاص لا يرونك حقاً، أو متكئاً على أفكار لا تعبر عما في داخلك.

كثيراً ما احتمينا بشعار الواقعية حتى اختلط علينا الفرق بين الحكمة والتنازل، فاستبدلنا الجوهر بالمظهر، والمعنى بالمساومة، ورضينا بالقليل وسميناه تعقلاً.

وفي زمن التكنولوجيا ووسائل التواصل ازداد هذا الالتباس، نرى عبر الشاشات صوراً مصقولة لحياة الآخرين فنقارن، غافلين أن الخوارزميات لا تعرف ما يليق بالروح، وأن ما يُعرض ليس الحقيقة كاملة. وفي خضم هذا التسارع في الحياة يختلط على كثيرين الفرق بين ما هو متاح وما هو ملائم لذواتهم حقاً.

ومع الوقت يتسلل أثر ذلك إلى تفاصيل الحياة، في خيارات لا تشبهنا، وعلاقاتٍ تخلو من السكينة، حتى يصبح الثقل الداخلي جزءاً من إيقاع الأيام، بينما احترام الذات يبدأ حين يختار الإنسان ما يليق بروحه ويرفض ما دونها.

أن تختار ما يليق بك هو فعل تمردٍ نبيل على ثقافة «الترضية» و»القبول بالمتاح». هو أن ترفض الوظيفة التي لا تشبهك، حتى لو كان راتبها مغرياً. وأن تنهي العلاقة التي تستنزفك، حتى لو قيل إن الفراغ أصعب. وأن تعتنق الفكرة التي تؤمن بها، حتى لو خالفك العالم أجمع. وهو أيضاً أن تملك الشجاعة الكافية لإبعاد الأشخاص الذين لا يشبهون روحك ولا يضيفون إلى حياتك إلا ثقلاً خفياً، أولئك الذين يستنزفون طاقتك ويبددون صفاءك. فليس كل من حضر في حياتك يستحق أن يبقى فيها، ولا كل علاقةٍ قُدر لها أن تبدأ كُتب لها أن تستمر. هذا هو حب الذات في أسمى تجلياته: أن تصطف إلى جانب روحك، وأن تحرس حدودك، وأن تختار بعناية من يستحق أن يسير معك في طريق حياتك.

فلنضغط هذا الأسبوع زر «ريستارت»... لا هرباً من الماضي، بل وفاءً لحقٍّ لنا عند أنفسنا لا يسقط مع الزمن. لنُعد ضبط بوصلتنا الداخلية، ونختر بوعيٍ ما يليق بكرامة الروح وقيمة الذات، بعدما أدركنا أن الصبر على ما لا يشبهنا استنزافٌ صامت للحياة. اختر لقلبك ما يليق به اليوم، ولا تقبل بحياةٍ دون قدرك.

 

back to top