سيادة لا تُستباح... موقف الكويت والخليج في مواجهة العدوان
لم تكن الكويت ودول الخليج يوماً طرفاً مبادراً بالصراع الدائر، بل كانت، ولا تزال، تتمسك بخيار الاستقرار، وتستند في سياساتها الخارجية إلى قواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
وعندما تتعرض أراضيها لأي اعتداء عسكري تحت ذرائع استهداف مصالح طرف ثالث، فإن المسألة لا تُختزل في حدث أمني عابر، بل تتحول إلى قضية مبدئية تمسّ جوهر السيادة الوطنية، فسيادة الدولة ليست هامشاً تفاوضياً في معادلات الصراع، بل هي الأساس الذي يقوم عليه النظام الدولي، وأي مساس بها هو مساس بشرعية العلاقات بين الدول ذاتها.
إن ميثاق الأمم المتحدة، في مادته الثانية، الفقرة الرابعة، يحظر صراحة استخدام القوة أو التهديد بها ضد سلامة أراضي أي دولة أو استقلالها السياسي. هذه المادة ليست توصية أخلاقية، بل قاعدة آمرة في القانون الدولي المعاصر.
ودول الخليج، بما فيها دولة الكويت، التزمت تاريخياً بهذا الإطار القانوني في إدارة خلافاتها الإقليمية والدولية، وحرصت على تسوية النزاعات عبر الوسائل السلمية والحوار.
ومن ثمّ فإن أي اعتداء يلحق بأراضيها أو أجوائها أو مياهها الإقليمية يمثل انتهاكاً مباشراً لالتزامات دولية ثابتة، لا يمكن تبريره بشعارات سياسية أو ذرائع أمنية عابرة.
فالقانون الدولي لا يعترف بمفهوم «الضرر الجانبي المشروع» حين تكون الدولة المستهدفة غير طرف في النزاع. والادعاء بأن استهداف أراض خليجية يأتي في سياق ضرب مصالح أو قواعد أميركية لا يُسقط المسؤولية القانونية للمعتدي، لأن وجود قوات أجنبية يتم بناءً على اتفاقات ثنائية مشروعة مع الدول المضيفة، وهو تعبير عن حق سيادي لا يُجيز لطرف ثالث الاعتداء.
تحويل هذا الوجود إلى ذريعة عسكرية يفتح باباً خطيراً لتقويض مبدأ عدم التدخل، ويجعل من التحالفات الدولية سبباً لاستباحة الأراضي، وهو منطق لو ساد لأفقد النظام الدولي استقراره بالكامل. فالعلاقات الدفاعية المشروعة لا تُسقط الحصانة السيادية، ولا تمنح أي طرف حق تجاوز الحدود تحت عنوان الرسائل العسكرية. وإذا طالت الاعتداءات مواقع مدنية أو بنى تحتية غير عسكرية، فإن الأمر يتجاوز انتهاك السيادة إلى خرق صريح لقواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما مبدأي التمييز والتناسب.
استهداف المدنيين أو تعريضهم للخطر، سواء عن قصد أو بإهمال جسيم، يضع الفعل في دائرة الانتهاكات الجسيمة التي تستوجب المساءلة الدولية. إن حماية المدنيين ليست خياراً سياسياً، بل التزام قانوني وأخلاقي لا يسقط في زمن التوترات.
ومن يستهين بهذه القواعد إنّما يغامر بإضعاف الضمانات التي تحمي الجميع في أوقات الأزمات، وقد أثبتت الكويت ودول الخليج، عبر عقود، تمسّكها بالشرعية الدولية كمرجعية وحيدة للأمن والاستقرار، سواء في ترسيم الحدود أو في معالجة النزاعات أو في التعاون الدفاعي.
وهذا الالتزام ليس ضعفاً، بل قوة ناعمة تعكس ثقة بالدولة ومؤسساتها وبالنظام الدولي ذاته. ومن هنا، فإن الدفاع عن أراضيها لا يعني الانزلاق إلى التصعيد، بل يعني التمسك بحقها المشروع في حماية سيادتها وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، ضمن إطار منضبط يحفظ الاستقرار الإقليمي ولا يبدده. إن الاعتداء على سيادة دولة آمنة لا يُختبر فقط بقدرتها على الرد، بل بقدرتها على التمسك بالقانون في وجه الفوضى.
ودول الخليج، وهي تدافع عن أراضيها، إنما تدافع في الوقت ذاته عن مبدأ أساسي يحمي العالم بأسره، وهو أن الحدود لا تُغيَّر بالقوة، وأن السيادة لا تُخضع لرسائل عسكرية. فحين تُصان السيادة يُصان الاستقرار، وحين يُحترم القانون تُحترم الدول، وإلّا فإن الفوضى تصبح اللغة الوحيدة المتبقية في عالمٍ لا يحتمل مزيداً من الانفلات.