«كاف» والمخبأ

نشر في 06-03-2026
آخر تحديث 05-03-2026 | 19:41
 سليمان البسام

استيقظ المواطن «كاف» وبكى على أرواح الشهداء. لم يفهم كيف انقلبت دياره إلى ساحة حرب بين ليلةٍ وضحاها، وغضب من نفسه وهو - بظنه - باحثٌ محترف وقارئٌ فذ للمستقبل، إلا أنه لم يتنبأ بالحدث القادم. لم يستوعب كيف أصبح الكيان الصهيوني البذيء يبدو كأنه حليف في عالمٍ غريب الأطوار. ولكي يلهي نفسه عن هذه الأفكار بدأ يعد علب الفول وأكياس الرز ومخزون البيبسي، ثم سارع بالاتصال بمقاولٍ تعرفه عائلته منذ زمنٍ بعيد، طالباً منه حفر ملجأ له وفق معايير سويسرية وجدها على الإنترنت.

قرأ «كاف» عن الرؤى المسيحية المتطرفة التي ترى في الرئيس الأميركي مُبشراً للأيام الأخيرة قبل عودة المسيح، وتزوّد بمعلوماتٍ عن ولاية الفقيه التي -كما قيل له- «تنام وتصحو على حلم القضاء على الشيطانين الأكبر والأصغر». وقرأ كذلك عن خطة إسرائيل الكبرى، واكتشف أن دياره تقع ضمن حدودها، فراح يفكر كيف يصوغ أفكاره دون أن يُساء فهمها أو يُتهم بتفكيك صفوف الوطن في هذه اللحظة الحرجة.

فدوّن في كشكوله ما يلي:

- الأمان سلعة تزداد ندرتها — وسعرها سيتصاعد.

- الموت ظاهرة متفشية — وقيمته ستنخفض.

- يبدو أن النظام العالمي الجديد لم يعد بحاجة إلى الدبلوماسيين - فعليهم التخطيط للتقاعد المبكر. وأنصحهم بتايلند.

وبينما كان غارقاً في تأملاته، سمع «كاف» صوت المقاول يدقّ عموداً من الأسمنت وهو يصرخ: «يا خوذاه!».

أمسك «كاف» نفسه وابتلع ريقه، ثم قال لنفسه ببرود محلل عسكري:

ها أنت تشيّد مخبأك على يد المقاول الإيراني عباس. كم أنت مغفّل يا «كاف»! وما أدراك لعل هذا المسكين على اتصالٍ مباشر بالحرس الثوري؟ وما فائدة ملجأك التعيس حينها؟ لماذا لم تبحث عن مقاول أميركي أو فلبيني على الأقل؟ وما قيمة النصف والربع دينار في محنةٍ كهذه؟

استجمع «كاف» شجاعته، وطرد المقاول عباس من منزله. حمل الرجل أدواته ورحل في صمت.

وفي تلك اللحظة رنّ هاتف كاف برقمٍ مشفّر.

أجاب.

كان على الخط شاب يدعى - كما قال - شلومو، من تل أبيب، يتحدث العربية بطلاقة.

وكان هذا الحديث الذي دار بينهما:

- كيف حالك أيها المواطن «كاف»؟

- بخير. ماذا تريد؟

- اسمي شلومو، وأنا صانع حيلٍ لعلاج العلل.

- أنت دجّال. لا صانع لحيل علاج علل البلاد والعباد غيري.

- هاهاها... كم أنت خفيف العقل يا «كاف». مخبؤك مخترق، وخططك مكشوفة.

- ماذا تقول؟

- جهّز الشاي لعمامك يا ولد... نحن في الطريق.

انقطع الاتصال.

جلس «كاف» يرتجف غضباً، غير متأكد إن كان الاتصال حقيقياً أم مجرد مشهد من مسلسل رمضاني. لم يعد واثقاً إن كان ملجأه ملاذاً يحميه... أم قبراً يحفره لنفسه.

كان «كاف» في حالٍ يُرثى لها. لا أحد يستطيع مساعدته. فأخذ يردد النشيد الوطني، ويضم صوته المبحوح إلى النداءات لوحدة الصف - حكومةً وشعباً - قبل أن يغفو نوماً رحيماً.

back to top