ميزانية 2026/ 2027، قراءة اقتصادية …

نشر في 23-02-2026
آخر تحديث 23-02-2026 | 10:23
 د. بدر عثمان مال الله

جاءت ميزانية السنة المالية 2026/ 2027 بعجز يُقدر بنحو 9.8 مليارات دينار، وهو الأكبر في تاريخ الميزانية، بما يعكس استمرار الضغوط على المالية العامة.

غير أن هذا العجز لم يعُد مفاجئا، إذ لم يعد ظاهرة دورية مرتبطة بتقلبات أسعار النفط، بل بات تعبيرا عن اختلال هيكلي أعمق في ظل غياب نموذج اقتصادي واضح يضع المالية العامة على مسار مستدام.

ومن هنا، فإن قراءة الميزانية ينبغي ألا تقتصر على أرقامها، بل أن تمتد إلى السياسات والبنية الاقتصادية التي أفرزتها، فالأرقام ليست سوى مرآة للخيارات التي صنعتها، فالميزانيات لا تتعثر مصادفة، بل حين يختل المسار وتغيب البوصلة.

تعكس الميزانية طابعا محاسبيا تقليديا، يتركز على تقدير الإيرادات وتخصيص المصروفات ضمن إطار سنوي، دون أن تتضح أهداف تنموية محددة أو مؤشرات أداء قابلة للقياس، فهي تُدار بمنطق التوازنات القصيرة الأجل، لا بمنطق التحول الاقتصادي بعيد المدى.

وفي اقتصاد يعتمد بصورة شبه كاملة على الإيرادات النفطية، تبقى المالية العامة رهينة لتقلبات خارجية لا نملك التحكم فيها. وميزانية لا تستند إلى رؤية اقتصادية واضحة ستظل عرضة لتكرار العجز مهما تبدلت الظروف، فميزانية بلا رؤية تنموية أشبه بخريطة مرسومة بلا اتجاه.

غير أن حجم العجز، رغم دلالته، ينبغي ألا يدعو إلى التشاؤم، بقدر ما يدعو إلى مراجعة هادئة وواقعية، فالعجز يمكن احتواؤه إذا اقترن بخطة إصلاحية واضحة تعيد ترتيب الأولويات، وتحسن كفاءة الإنفاق، وتربط المخصصات بمؤشرات أداء محددة.

فالميزانية ليست وثيقة محاسبية فحسب، بل أداة توجيه اقتصادي تعكس تصور الدولة لدورها ولمستقبل اقتصادها. والتحدي الحقيقي لا يكمن في تقليص العجز رقميا، بل في استخدامه حافزا لإعادة النظر في النموذج الاقتصادي بأكمله، فالأزمات حين تُقرأ بعقل إصلاحي تتحول من عبءٍ إلى فرصة.

وعند النظر إلى جانب الإنفاق، يتبين استمرار هيمنة المصروفات الجارية، وعلى رأسها الرواتب والدعم، في ظل نمو مطرد، بينما يظل الإنفاق الاستثماري، رغم زيادته، محدود الأثر من حيث رفع الإنتاجية وتوسيع القاعدة الاقتصادية.

صحيح أن للدولة التزامات اجتماعية لا يمكن إغفالها، لكن استمرار نمو الإنفاق الجاري يحد من قدرة الميزانية على أداء دور تنموي فاعل. فالإنفاق الذي لا يخلق قيمة مضافة يتحول إلى عبء متراكم، بينما الاستثمار المنتج هو وحده القادر على توليد عوائد مستقبلية، فالتنمية لا تُقاس بحجم ما يُنفق، بل بما يبقى أثره بعد الإنفاق.

أما جانب الإيرادات، فيؤكد أن تنويع مصادر الدخل لا يزال محدودا، فالإيرادات غير النفطية، رغم تحسنها النسبي، لم تبلغ بعد مستوى يجعلها سندا حقيقيا للاستدامة المالية.

ومع غياب إصلاحات ضريبية أو هيكلية واضحة، يبقى العجز نتيجة طبيعية لاختلال العلاقة بين الإنفاق والإيرادات، ولا يمكن تحقيق استقرار مالي مستدام دون بناء مصادر دخل متنوعة وقابلة للنمو، وهو ما لا يظهر بوضوح في هذه الميزانية، فالاستدامة لا تُبنى على موردٍ واحد، مهما طال عطاؤه.

ومن هذا المنطلق، تمثل ميزانية 2027/ 2028 فرصة لإعادة البناء على أسس أكثر صلابة، من خلال إطار إصلاحي يقوم على 3 محاور مترابطة، أولها ضبط نمو الإنفاق الجاري تدريجيا، مع إعادة توجيه الموارد نحو الاستثمار في البنية التحتية والإنتاجية والتحول الرقمي ورأس المال البشري.

وثانيها، تعزيز الإيرادات غير النفطية عبر توسيع القاعدة الضريبية بشكل مدروس، وتفعيل الرسوم الانتقائية، وتحسين كفاءة التحصيل.

وثالثها، إدماج الميزانية ضمن إطار متوسط الأجل يربط التخطيط المالي بخطة تنموية واضحة تركز على المشاريع الإنتاجية، والشراكات مع القطاع الخاص، فإدارة العجز ليست إنجازا، أما بناء الاستدامة فهو القرار الذي يصنع المستقبل.

back to top