من صيد الخاطر: «أَيُّ الرِّجالِ المُهَذَّبُ؟»
فَلَسْتَ بِمُسْتَبْقٍ أَخاً لا تَلُمُّهُ عَلى شَعَثٍ أَيُّ الرِّجالِ المُهَذَّبُ؟
بيت شعر قاله النابغة الذبياني معتذراً فيه من الملك النعمان بن المنذر عن زلة وقع فيها، فأصبح عجز ذلك البيت مثلاً ودعوة للتغاضي والتغافل عن «شَعَثات» الرجال، أي زلاتهم، وكأنه يقول فيه: من منا لا يخطئ؟
وراء هذا البيت المثل جفوة حصلت بين شاعرنا والملك النعمان بن المنذر، بعد أن قال النابغة أبيات شعر غزلية في «المتجردة»، زوجة النعمان، واصفاً فيها جمالها، وجسمها، مما أثار غيرة النعمان، متوعداً بقتله.
هرب النابغة خوفاً من بطش النعمان، ولكنه في النهاية اشتاق إلى العودة لموطنه، فاستطاع بذكائه ونبوغه أن يصيغ قصائد «الاعتذاريات» التي هدّأت من غضب الملك، وجعلته يعفو عنه، حتى أنه قربه إليه، وهذه أشهر ما قال فيها:
فَإِنَّكَ كَاللَّيلِ الَّذي هُوَ مُدرِكي وَإِن خِلتُ أَنَّ المُنتأى عَنكَ واسِعُ
إِذا ما نَهى الناهي فَلَيسَ بِمُنتَهٍ وَلَيسَ لِما يَمضي مِنَ الأَمرِ راجِعُ
وقال في أخرى:
فَلَسْتَ بِمُستَبقٍ أَخاً لا تَلُمُّهُ عَلى شَعَثٍ أَيُّ الرِّجالِ المُهَذَّبُ؟
كانت تلك الأبيات طوق نجاة للنابغة، فقد سَحَرَ فيها النعمان، ولم يملك إلا أن يعفو عنه، وأن يقول له: «والله يا نابغة، لئن كنتَ قد اعتذرتَ بصدق، فقد أجدتَ، ولئن كنتَ قد كذبتَ، فقد سحرتَنا ببيانك».
بيت القصيد من مثلنا «أَيُّ الرِّجالِ المُهَذَّبُ؟»، أنه لا يوجد إنسان لا يخطئ، وهذا المثل واضح في دعوته للتغاضي عن ارتكاب «الشَعَثات»، الزلات، فمن منا لا يرتكبها؟ فرسول الله ﷺ قال: «كُلُّ بني آدم خطَّاءٌ، وخيرُ الخطَّائينَ التَّوَّابونَ»، وقال: «المؤمنُ الذي يخالطُ الناسَ ويصبرُ على أذاهم، خيرٌ من الذي لا يخالطُ الناسَ ولا يصبرُ على أذاهم».
الفاروق عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قال: «تغافلوا عن العيوب، فإن ذكرها عيب». عبدالله بن مسعود، قال: «إذا أعجبكم من الرجل حاله، فلا تزالوا به حتى تروا منه ما يسوؤكم، فإن الإنسان مجبول على النقص»، وأبو الدرداء قال: «معاتبة الأخ خير من فقده، ومن لك بأخيك كله؟»، أي من أين ستأتي بأخ ليس فيه خصلة تكرهها؟ أما سعيد بن المسيب، فقال: «ليس من شريف ولا عالم ولا ذي فضل إلا وفيه عيب، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تُذكر عيوبه، فمن كان فضله أكثر من نقصه، وُهب نقصه لفضله».
وهناك شعراء دعوا إلى التسامح والتغاضي، ومنهم بشار بن برد، حين قال:
إِذا كُنتَ في كُلِّ الأمور مُعاتِباً صَديقَكَ لَم تَلقَ الَّذي لا تُعاتِبُه
فَعِش واحِداً أَو صِل أَخاكَ فَإِنَّهُ مُقارِفُ ذَنبٍ مَرَّةً وَمُجانِبُه
الإمام أحمد بن حنبل، قال: «تِسْعَةُ أَعْشَارِ حُسْنِ الخُلُقِ فِي التَّغَافُلِ»، أما الأصمعي، فقال: «تناسَ مساوئ الإخوان يستدم لك ودهم».
فاللهم اجعلنا ممن قالت فيهم العرب قديماً: «ليس الغبيُّ بسيدٍ في قومه، لكنَّ سيدَ قومه المتغابي»، أي الذي يتظاهر بعدم رؤية الزلات رغم رؤيته لكل شيء، حُبّاً وستراً وكرماً لهم.