أبناءٌ يعرفون المطلوب... ويجهلون لماذا
في أحد الصفوف، رفعتُ سؤالاً بسيطاً: لماذا تتعلّم؟ لم يتأخر الجواب: “علشان أنجح”. “علشان أجيب نسبة”. “علشان أدخل تخصص”.
كل الإجابات صحيحة... لكنها تكشف شيئاً مقلقاً. لم يقل أحد: لأنني أريد أن أفهم نفسي. لم يقل أحد: لأن المعرفة تغيّرني قبل أن تغيّر معدّلي.
هناك فرقٌ هادئ بين أن تتعلّم لتصل... وأن تتعلّم لتكبر. ونحن -دون أن نشعر- درّبنا أبناءنا على الأول، وتركنا الثاني للمصادفة.
المشكلة ليست في جيلٍ كسول، ولا في طلابٍ بلا طموح. المشكلة أعمق من ذلك: لقد تحوّل التعليم في وعيهم إلى وسيلة عبور، لا مساحة تشكّل. صار السؤال الأهم: كم سأحصل؟ لا: ماذا سأصبح؟
علم النفس التربوي يفسّر هذا التحول بدقة. نظرية الدافعية الذاتية كما عرضها Ryan وDeci (2000) تشير إلى أن الإنسان يحتاج إلى ثلاث حاجات نفسية أساسية كي يتحرك بدافع داخلي حقيقي: الاستقلالية، والكفاءة، والانتماء. عندما يشعر الطالب أن له صوتاً، وأن جهده يُقدَّر، وأنه جزء من بيئة تحترمه، يصبح التعلم خياراً واعياً لا عبئاً مفروضاً.
وتؤكد مراجعات تجميعية أحدث مثل Howard وآخرين (2021) أن الدافعية الذاتية ترتبط بمستويات أعلى من المثابرة وجودة الأداء والرفاه النفسي، بينما ترتبط الدافعية القائمة على الضغط الخارجي بقلق أكبر وانطفاء تدريجي للشغف. الفرق ليس في “قوة التحفيز”، بل في مصدره.
نحن - بحسن نية أحياناً - نربط التعلم بالمكافأة أكثر من ربطه بالمعنى. نمدح النتيجة أكثر مما نحتفي بالمحاولة. نرفع الطالب المتفوق فوق المنصة، لكننا نادراً ما نرفع قيمة السؤال الذي غيّر طريقة تفكيره.
حتى المراجعة التحليلية الشهيرة لـ Deci وKoestner وRyan (1999)، التي حللت نتائج 128 دراسة، وجدت أن الإفراط في المكافآت الملموسة قد يُضعف الدافعية الداخلية عندما يشعر المتعلم أن جهده موجّه لإرضاء الخارج لا لإشباع فضوله الذاتي.
وهكذا يتعلم الطالب درساً غير مكتوب: أن قيمة المعرفة ليست في أثرها عليه... بل في أثرها على صورته أمام الآخرين. طالبٌ ناجح في الورقة، لكنه متردد في الحياة. يحفظ المطلوب لكنه لا يعرف لماذا يريده. يخاف من الخطأ لأنه يهدد تقييمه، لا لأنه يمنع فهمه.
ربما لا نحتاج إلى مناهج جديدة بقدر ما نحتاج إلى أسئلة جديدة. سؤال يعيد للطالب صوته. سؤال يجعله يرى التعلم كرحلة شخصية لا سباقاً جماعياً.
فاسأل نفسك: هل ابنك ينجح... أم يعيش المعنى؟
وهل صفك يخرّج درجات... أم يوقظ إنساناً؟
ولعل السؤال الذي يقترب الآن بهدوء هو: أين يبدأ دور المعلّم في إعادة هذا المعنى إلى مكانه الصحيح؟