يوسف شاهين... مخرج متمرد في فضاء العالمية (2 - 2)

• «هي فوضى» يطوي رحلة عاشق السينما الاستثنائي
• نجوم خلف الكاميرا

نشر في 19-02-2026
آخر تحديث 18-02-2026 | 15:46
تعلّق يوسف شاهين بسحر الشاشة، وطار من الإسكندرية إلى الولايات المتحدة في أواخر الأربعينيات، ودرس السينما والمسرح في كاليفورنيا، وعاد إلى مصر ليبدأ مسيرته الفنية، وقادته قدماه إلى استديوهات القاهرة، وهناك تعرف على المصور الإيطالي ألڤيزي أورفانيللي، وراهن الأخير على موهبته، ومنحه فرصة إخراج فيلمه الأول «بابا أمين» (1950)، وحصل على أعلى أجر لمخرج مبتدئ، وبعدها تحمّس المنتجون للعمل مع المخرج الشاب، وتوالت الرحلة... وأدت المصادفة دورها في لقاء يوسف شاهين بصديقه الفنان عمر الشريف، بعد سنوات من تخرّجهما في كلية فيكتوريا بالإسكندرية، وكان الاثنان شغوفين بالفن، وشاركا في بعض الأنشطة المسرحية خلال فترة الدراسة، وواصل شاهين رحلته الفنية، بينما عمل الشريف مع والده في تجارة الأخشاب، وتراجع حلمه في احتراف التمثيل.
في ذلك الوقت كان المخرج يوسف شاهين يحضّر لفيلمه «صراع في الوادي» (1954) ويبحث عن وجه جديد ليشارك في البطولة أمام فاتن حمامة، ووجد في صديقه مواصفات النجم المطلوب، واجتاز الشريف اختبار الكاميرا، لكن حمامة رفضت الفكرة، وطلبت من المخرج أن يبحث عن نجم معروف، وبعد نقاشات طويلة، اقتنعت بالأمر، وأثناء التصوير، نمت قصة حب بين «فاتن وعمر» وتوجت بزواجهما في عام 1955.
وحقق «صراع في الوادي» أصداء إيجابية، ويُعد من أنجح أفلام شاهين جماهيريا في فترة الخمسينيات، وشارك في بطولته زكي رستم وفريد شوقي وعبدالوارث عسر وحمدي عيث، وسيناريو علي الزرقاني، وفي العام ذاته شارك في فعاليات مهرجان كان السينمائي الدولي، كثاني مشاركة لشاهين بعد فيلم «ابن النيل» (1952)، ويحتل الفيلم المركز 25 في قائمة أفضل 100 فيلم في ذاكرة السينما.
والتقى شاهين والشريف للمرة الثانية في «شيطان الصحراء» وكتب المخرج القصة والسيناريو، وشارك في البطولة مريم فخر الدين وتوفيق الدقن وفردوس محمد ولولا صدقي، وعُرِض الفيلم لأول مرة في 27 ديسمبر 1954، ولم يصمد طويلًا في دور السينما، وبعد سنوات اعترف شاهين بعدم الرضا عن إخراجه هذا العمل. وأيضًا ذكر النجم العالمي في مقابلة تلفزيونية أنه من أسوأ الأفلام التي مثّلها خلال مسيرته الفنية.
وانتهت الشراكة الفنية بين شاهين والشريف بعد فيلمهما الثالث «صراع في الميناء» (1956)، بطولة فاتن حمامة وأحمد رمزي وحسين رياض، وحقق الفيلم نجاحًا كبيرًا، واستمر في دور العرض لعدة أسابيع، ويعتبر من الأفلام المهمة في تاريخ السينما المصرية.
حقق شاهين انتشاره الفني في حقبة الخمسينيات، وأخرج 13 فيلمًا بواقع ثلث أفلامه خلال مسيرته السينمائية، وظل مؤشر النجاح الجماهيري بين صعود وهبوط، وقدم على الشاشة بعض الأفلام الغنائية، منها «ودعت حبك» (1956)، بطولة شادية وفريد الأطرش، وفي العام التالي التقى بهما في «أنت حبيبي» وشارك في البطولة هند رستم وسراج منير، وحقق الفيلمان نجاحًا محدودًا ولم يصمدا طويلًا في دور السينما.

الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي يصفه بالمدافع عن الحريات 

باب الحديد
وخاض المخرج المغامر تجربة التمثيل في فيلمه «باب الحديد» أمام هند رستم وفريد شوقي وحسن البارودي، وكتب السيناريو عبدالحي أديب، وواجه الفيلم عاصفة من الانتقادات بعد عرضه عام 1958، وحطم الجمهور المقاعد، لظهور نجمهم المفضل فريد شوقي «وحش الشاشة» في دور ثانوي، بينما البطولة الحقيقية لشخصية «قناوي بائع الجرائد» التي جسدها يوسف شاهين، وخالفت صورة البطل التقليدي الراسخة في الأذهان.
وفي العام ذاته، شارك «باب الحديد» في مهرجان برلين الدولي، وترشح لجائزة الدب الفضي، وبعد سنوات تغيرت نظرة الجمهور للفيلم، ولايزال يحقق نسبة مشاهدة عالية عند عرضه في القنوات الفضائية، واحتل المركز الثاني ضمن أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية.

«صراع في الميناء» ينهي تعاونه مع صديقه النجم عمر الشريف

حب إلى الأبد
وخاض شاهين مغامرة سينمائية في فيلم «جميلة» بطولة وإنتاج الفنانة ماجدة الصباحي، عن قصة حقيقية للثورة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي، والمناضلة جميلة بوحيرد، وكتب السيناريو نجيب محفوظ وعلي الزرقاني، وشارك في البطولة أحمد مظهر ورشدي أباظة وصلاح ذو الفقار وفريدة فهمي، وأحدث الفيلم ردود فعل إيجابية على المستوى الدولي، وساهم نجاحه في تخفيف حكم الإعدام عن بوحيرد إلى المؤبد، ولاحقًا أُطلِق سراحها، ولاتزال على قيد الحياة حيث تخطت التسعين عامًا.
ودار في كواليس الفيلم العديد من التوترات، وتعد الفنانة ماجدة صاحبة الفكرة الرئيسية للفيلم، وتحمست لإنتاجه وبطولته، وكان من المقرر أن يخرج الفيلم عز الدين ذو الفقار، لكنهما اختلفا في بعض وجهات النظر، وتصدى للإخراج يوسف شاهين، وشارك الفيلم في مهرجان موسكو السينمائي عام 1958، وفشلت ضغوط الوفد الفرنسي في منعه من العرض، وأشاد به النقاد وجمهور المهرجان.
وودّع شاهين سينما الخمسينيات بفيلم «حب إلى الأبد» (1959)، سيناريو وجيه نجيب ومحمد أبويوسف، وبطولة أحمد رمزي ونادية لطفي ومحمود المليجي. ويعد الفيلم تجربة مغايرة لأعمال شاهين السابقة، ودخوله إلى أفلام الجريمة، وحظي الفيلم بإقبال جماهيري كبير، وأشاد به النقاد، وشارك «حب إلى الأبد» في فعاليات مهرجان موسكو السينمائي عام 1959.

المخرج المتمرد يعيش قصة حب طويلة مع زوجته «كوليت»

اقرأ أيضا

بين إيديك
وقدّم شاهين في الستينيات 9 أفلام، منها 3 أفلام بطولة شكري سرحان، أولها «بين إيديك» (1960)، قصة الكاتب مصطفى محمود، وشاركت في بطولته ماجدة وعلوية جميل وعبدالفتاح القصري وزينات صدقي. وتدور أحداثه في إطار كوميدي، وفي العام التالي أخرج الفيلم الرومانسي «رجل في حياتي» بطولة سميرة أحمد، و»نداء العشاق» (1961)، بطولة فريد شوقي وبرلنتي عبدالحميد وخيرية أحمد وعزيزة حلمي.
وأخرج شاهين فيلم «النيل والحياة» عام 1968 إنتاج مصري روسي مشترك، ويروي قصة بناء السد العالي في مصر، وتم تصويره في مصر وروسيا، واعترض الجانب الروسي على بعض مشاهد النسخة الأصلية للفيلم، وطُرِحت النسخة المعدلة عام 1971، بطولة سعاد حسني وصلاح ذو الفقار.
ويُعد فيلم الأرض (1969) ملحمة سينمائية، توفرت لها عناصر النجاح من إخراج وأداء باهر للممثلين، وأعاد شاهين اكتشاف الفنان محمود المليجي في دور محمد أبوسويلم، والفيلم قصة الأديب عبدالرحمن الشرقاوي وسيناريو حسن فؤاد ووضع الموسيقى التصويرية علي إسماعيل، وشارك في البطولة عزت العلايلي ويحيى شاهين ونجوى إبراهيم وعبدالوارث عسر.
وعُرِض الفيلم في مهرجان كان السينمائي، واحتفى به النقاد والجمهور، وقال عنه الناقد الفرنسي كلود ميشيل «إنه من الضروري أن يَعرض المصريون أفلامهم في المهرجانات طالما أن لديهم مستوى فيلم الأرض». واختير هذا الشريط السينمائي ضمن أفضل 100 فيلم في ذاكرة السينما المصرية.

المثقف المأزوم
والتقى شاهين بالأديب نجيب محفوظ في «الاختيار» (1971)، بطولة سعاد حسني ومحمود المليجي وعزت العلايلي وهدى سلطان، وأشاد النقاد بالفيلم كونه يقدم رؤية عميقة للمثقف المأزوم، واختير ضمن أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية.
وعاد المخرج الكبير إلى الأفلام الدرامية الغنائية في «عودة الابن الضال» (1978)، وقدم لأول مرة المطربة ماجدة الرومي، وشارك في البطولة شكري سرحان ومحمود المليجي وسهير المرشدي، واختلفت الآراء حول الفيلم بين إشادة برؤيته الفنية للتحولات التي طرأت على المجتمع المصري، واتهام المخرج بتعمد الغموض والتعالي على الجمهور.

«قناوي» يصدم الجمهور بعد خطف البطولة من فريد شوقي

اليوم السادس
كان لقاء شاهين بالكاتبة الفرنسية ذات الأصول المصرية أندريه شديد في «اليوم السادس» 1986، وأقنع المطربة داليدا ببطولة الفيلم أمام مجموعة من النجوم، منهم شويكار وصلاح السعدني ومحسن محيي الدين، وتدور الأحداث في الأربعينيات وانتشار وباء الكوليرا في بعض مدن وقرى مصر، وانصرف الجمهور عن الفيلم، رغم الدعاية التي صاحبت ليلة العرض الأولى، ولكن الأحداث القاتمة شكّلت صدمة للحضور، وأخفق الفيلم تجاريا.

المصير والآخر
كرّس شاهين أفلامه الأخيرة لطرح سيرته الذاتية في رباعية «إسكندرية ليه»، و«حدوتة مصرية»، و«إسكندرية كمان وكمان»، و«إسكندرية نيويورك»، وقدّم الفيلم التاريخي «الوداع يا بونابرت» (1985) وعالج قضية الإرهاب والتطرف في فيلميه «المصير» (1997) بطولة نور الشريف وليلى علوي ومحمود حميدة وخالد النبوي ومحمد منير، و«الآخر» (1999)، بطولة نبيلة عبيد، وهاني سلامة، وحنان ترك، ولبلبة،
الحياة الخاصة
تزوج شاهين من السيدة الفرنسية المولودة في الإسكندرية، كوليت فافودون، وأقيم حفل الزواج عام 1955.

سعاد حسني تظهر في النسخة المعدلة من «النيل والحياة»

المحطة الأخيرة
ودّع المخرج الاستثنائي جمهوره في فيلم «هي فوضى» (2007)، وشاركه الإخراج تلميذه خالد يوسف، وسيناريو ناصر عبدالرحمن، وكان مقررًا أن يكون الفيلم بعنوان «حاكم شبرا» وقام بدور أمين الشرطة حاتم، الفنان خالد صالح بالاشتراك مع هالة صدقي ومنة شلبي وهالة فاخر، وحقق الفيلم نجاحًا جماهيريًا كبيرًا.
وفي العام الأخير، دخل شاهين في صراع المرض، وكان قد خضغ قبل سنوات لجراحة قلب مفتوح، ونصحه الأطباء بعدم الإجهاد والامتناع عن التدخين، لكن المخرج المتمرد ظل يقف خلف الكاميرا، ويواصل رسالته الفنية، وبعد رحيل عاشق السينما نعته المؤسسات الثقافية العربية والمصرية، ووصفه الرئيس الفرنسي السابق نيكولاي ساركوزي بالمدافع عن الحريات.

مع زوجته الفرنسية كوليت فافودون خلال حفل زفافهما
مع زوجته الفرنسية كوليت فافودون خلال حفل زفافهما

محاكمة بتهمة التمثيل دون ترخيص  
فوجئ المخرج يوسف شاهين بإحالته للمحاكمة في 7 نوفمبر 1957 بتهمة التمثيل دون أن يكون مقيدًا بجداول نقابة الممثلين، وكانت عقوبة التهمة الحبس 30 يوماً وغرامة 50 جنيهًا.
ووقتها كان شاهين يصوّر فيلم «باب الحديد» ويجسد شخصية «قناوي»، وقال إنه لا يجد ممثلًا يستطيع القيام بالدور مثله، وأنه ليس مضطراً للاستعانة بأي شخص لا يصلح لمجرد أنه عضو بالنقابة.
ورد نقيب الممثلين، أحمد علام، بأن لجنة من النقابة يجب أن تطّلع على السيناريو لتحدد إن كان هذا الدور لا يصلح أن يؤديه أحد غير يوسف شاهين أم لا، وبالفعل أرسل شاهين السيناريو للنقابة ومعه طلب للقيد بجداولها، لكنه لم ينتظر قرار النقابة واستكمل تصوير الفيلم، وأصبح دور قناوي في فيلم «باب الحديد» من الأدوار الراسخة في أذهان الجمهور العربي حتى اليوم.

مسيرة حافلة بالجوائز والتكريمات
نال يوسف شاهين العديد من الجوائز، وتم تكريمه في عدد من المهرجانات السينمائية المصرية والعربية، منها الدورة الـ 22 لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي عام 1998.
وحصل عام 1970 على الجائزة الذهبية من مهرجان قرطاچ، وجائزة الدب الفضي في برلين عن فيلمه «إسكندرية ليه» (1978)، وحصد جائزة اليوبيل الذهبي من مهرجان كان في عيده الـ 50 عن مجموع أفلامه عام 1997.
وحظي شاهين بتقدير كبير في فرنسا، وسُميت قاعة سينما في باريس باسمه، كما أقامت مؤسسة «سينماتيك فرانسيز» الفرنسية العديد من الفعاليات لتكريمه. ونال لقب ضابط في لجنة الشرف من قبل فرنسا عام 2006.
وفي العام نفسه اختيرت 7 من أفلامه ضمن قائمة أفضل 100 فيلم روائي طويل، بمناسبة الاحتفال بمئوية السينما المصرية بمركز الفنون التابع لمكتبة الإسكندرية.

 

back to top