يوسف شاهين... مخرج متمرد في فضاء العالمية (1-2)

• مقص الرقيب يحذف 30 دقيقة قبل إطلاق «العصفور»
• نجوم خلف الكاميرا

نشر في 18-02-2026
آخر تحديث 17-02-2026 | 20:27
حلّق المخرج يوسف شاهين خارج السرب، وامتدت رحلته الفنية لنحو 50 عاماً، قدّم خلالها نحو 40 فيلماً روائياً وتسجيلياً، ونال جوائز وتكريمات محلية ودولية عدة، ويعد من المخرجين العرب القلائل الذين وصلوا إلى العالمية، وأول مخرج مصري يسرد سيرته الذاتية على الشاشة، وتتلمذ على يديه عشرات المخرجين، منهم عاطف الطيب ويسري نصر الله وخالد يوسف. وظل المخرج المتمرد واقفاً خلف الكاميرا حتى اللحظات الأخيرة، ورحل في 27 يوليو 2008، عن عمر ناهز 82 عاماً، لكن إبداعه لا يزال حاضراً في ذاكرة عشاق الفن الراقي ووجدانهم. وتنوعت تجربة يوسف شاهين بين العديد من الأساليب السينمائية، منها الميلودراما والفنتازيا والكوميديا الخفيفة، والفيلم التاريخي والسياسي والاجتماعي، والاستعراضي والغنائي، واهتم بطرح قضايا إنسانية متعددة، وواكب اللحظات التاريخية في المجتمع المصري والعربي، وفي فيلم «الناصر صلاح الدين» (1963) استعاد مجد الانتصارات العربية.

 

طالت المخرج يوسف شاهين أصداء خافتة من السينما الأميركية، وظهر هذا التأثير في بعض أفلامه الغنائية، باستلهامه استعراضات نجوم هوليوود في الأربعينيات، مثل النجمة ماي ويست والراقص والممثل الشهير جين كيلي، مما جعل المخرج المصري في مرمى انتقادات قاسية، وأطلق البعض عليه لقب «المخرج الخواجة».

وجاء رد شاهين من خلال فيلمه «إسكندرية ليه» (1979)، وفي مشهد غامض أثار الكثير من التساؤلات، عندما جعل بطله «يحيى» المسافر إلى أميركا لدراسة السينما، يرى تمثال الحرية القابع في مدخل مدينة نيويورك، كامرأة شديدة القبح، تضحك بسخرية.

وقارن شاهين بين أميركا الخمسينيات، وسينما الاستعراضات البديعة والتسامح السائد، وبين أميركا الجديدة وأفلام الرجل الخارق الأميركي الذي يغزو العالم، وعبّر عن ذلك من خلال فيلمه «إسكندرية نيويورك» (2004).

«المهاجر» بتسبب في أزمة بين مخرجه والأزهر الشريف

مقص الرقيب

وكان المخرج الجريء يعتز بمصريته وعروبته، ومزج بين ذائقته الخاصة والتعبير الصادق عن قضايا وطنه، وسبح ضد التيار النمطي السائد، وحلّق في آفاق التجريب، وكرس إبداعه للارتقاء بالسينما المصرية، وتناول العديد من القضايا الاجتماعية والسياسية الشائكة، منها «العصفور» (1974)، بطولة محسنة توفيق ومحمود المليجي وصلاح قابيل، واصطدم هذا الفيلم بالرقابة، وذكر شاهين في لقاء تلفزيوني أن مقص الرقيب حذف منه 30 دقيقة، واعتبر ذلك أفضل من حجبه عن العرض في دور السينما.

ويتناول الفيلم من وجهة نظر شاهين وكاتب السيناريو لطفي الخولي الأسباب التي أدت إلى نكسة 1967، وعُرِض الفيلم بعد انتصار أكتوبر 1973، وبلغت تكاليف إنتاجه 42 ألف جنيه، وحقق إيرادات 4815 جنيهاً فقط في 5 أسابيع، ويحتل هذا الشريط السينمائي المركز 45 في قائمة أفضل 100 فيلم في ذاكرة السينما المصرية.

وبعد «العصفور» أصبح شاهين من أكثر المخرجين اصطداماً بالرقابة، منها السيناريو الأول لفيلم «المهاجر» وأثار أزمة مع الأزهر الشريف ورُفعت دعوى قضائية ضد الفيلم اتهمته بتجسيد شخصية دينية مقدسة، وهو ما يتعارض مع القوانين والأعراف التي تمنع ظهور الأنبياء والرسل في الأعمال الفنية.

«بابا أمين» يفتتح مسيرته السينمائية بحضور فاتن حمامة

ورفض الأزهر السيناريو في البداية، وأصر على عدم تقديم قصة النبي يوسف الصديق على الشاشة. وعلى الرغم من أن شاهين أعاد كتابة السيناريو عدة مرات لتفادي هذا الأمر، فإن الجدل ظل قائماً، واستمرت القضية لعدة أشهر، وانقسم الرأي العام بين مؤيد ورافض للفيلم.

وصدر الحُكم لمصلحة شاهين، وسُمِح بعرض الفيلم، وتم اعتباره انتصاراً لحرية الإبداع. وشاهده الجمهور لأول مرة بدور السينما في 26 سبتمبر 1994، وبلغت تكلفته 12 مليون جنيه، وهو مبلغ ضخم في ذلك الوقت، واحتل «المهاجر» رقم 52 بقائمة أقضل 100 فيلم في ذاكرة السينما المصرية، حسب استفتاء النقاد عام 1996 بمناسبة مرور 100 عام على أول عرض سينمائي في الإسكندرية عام 1896.

 وامتلك شاهين شجاعة النقد الذاتي، وذكر المخرج الجريء في أكثر من مناسبة أنه نادم على إخراج بعض الأفلام، منها «أنت حبيبي» (1957)، بطولة المطرب فريد الأطرش وشادية وهند رستم، واعتبره عملاً تجارياً لا يتناسب مع طبيعة أفلامه التي تحمل طابعاً فكرياً وفنياً أعمق، وفي ذلك الوقت واجه الفيلم هجوماً لاذعاً من النقاد.

وندم شاهين على إخراج «سكوت هنصور» (2001)، بطولة المطربة لطيفة ومصطفى شعبان وأحمد بدير وأحمد وفيق، ولم يصمد الفيلم في صالات العرض سوى أيام قليلة، وأصبح مخرجه في مرمى سهام النقد، وكتب الناقد طارق الشناوي مقالاً في مجلة «روز اليوسف» بعنوان «سكوت هنهرج» مما أغضب المخرج، لكنه بعد سنوات أقر بسوء تقديره، حتى أنه تساءل عن سبب موافقته على عمل هذا الفيلم.

وُلِد يوسف جبرائيل شاهين في الإسكندرية يوم 25 يناير 1926، لأسرة مسيحية، ووالده لبناني من مدينة زحلة، وأمه من أصول يونانية هاجرت أسرتها إلى مصر في القرن التاسع عشر، ونشأ الصبي في بيت يتحدث بعدة لغات، كمعظم الأسر التي عاشت في الإسكندرية في تلك الفترة، وعلى الرغم من انتمائه للطبقة المتوسطة فإن أسرته كافحت من أجل تعليمه في مدارس خاصة منها «كلية فيكتوريا» وحصل فيها على الشهادة الثانوية، ثم التحق لعام واحد بجامعة الإسكندرية، وقطع دراسته، ليحقق أحلامه الفنية بالسفر إلى الولايات المتحدة.

«أنت حبيبي» تجربة ندم عليها مع فريد الأطرش وشادية

سحر الشاشة

تعلّق شاهين بسحر الشاشة في وقت مبكر، وكان يرتاد دور السينما بانتظام مع أصدقائه، وشكّلت قراءاته للنصوص المسرحية، لا سيما أعمال الكاتب الإنكليزي وليام شكسبير جزءاً كبيراً من ثقافته، وأصبح مسكوناً بشخصية «هاملت» وتورط الفتى الصغير في عشق الفنون، لكن اندلاع الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945) كاد يقضي على أحلامه.

وبعد انتهاء الحرب بعام واحد، سافر إلى الولايات المتحدة وأمضى سنتين في معهد پاسادينا المسرحي (پاسادينا پلاي هاوس)، ودرس فنون المسرح من تمثيل وإخراج وكتابة النصوص، والتحق ببعض الدورات المتعلقة بالسينما. وخلال تلك الفترة تعرّف على خصائص السينما الهوليوودية، وشاهد الكثير من الأفلام لأشهر المخرجين في مرحلة الأربعينيات، منهم أورسون ويلز وألفريد هيتشكوك وجون هيوستن.

ليلى مراد تتنازل عن نصف أجرها لتعويض «سيدة القطار»

فيلم فنتازي

وعاد يوسف شاهين إلى مصر، ولديه طموحات هائلة في اقتحام عالم الفن، وتملكته الحيرة في اختيار وجهته بين المسرح والسينما، لكن قدماه قادتاه إلى الاستديوهات، وهناك تعرّف على المصوّر السينمائي ألڤيزي أورفانيللي، وعرف الأخير حكايته، وراهن المصور الإيطالي الأصل على موهبة الشاب ذي الـ 23 عاماً، وساعده في تحقيق حلمه، ليكون أصغر مخرج عرفته السينما في خمسينيات القرن الماضي.

ودارت الكاميرا، وأخرج شاهين أول أفلامه «بابا أمين» (1950)، سيناريو علي الزرقاني، وشارك في بطولته فاتن حمامة وكمال الشناوي وحسين رياض وهند رستم وفريد شوقي. 

وحصل المخرج الشاب عن «بابا أمين» على أجر 300 جنيه، وهو مبلغ ضخم لمخرج مبتدئ في سينما الخمسينيات، وبعد عام واحد، أخرج فيلمه الثاني «ابن النيل» بطولة فاتن حمامة وشكري سرحان ويحيى شاهين ومحمود المليجي وفردوس محمد. وكتب شاهين سيناريو الفيلم. 

وتوّفرت للفيلم عناصر النجاح الجماهيري، وشهد خصوصية أسلوب شاهين السينمائي، ورؤيته العميقة لقضايا المجتمع، وحظي باهتمام النقاد والجمهور، واحتل «ابن النيل» المركز 82 في قائمة أفضل 100 فيلم في ذاكرة السينما المصرية.

وبدت أفلام شاهين الأولى متخمة بأفكار متباينة، وتنفل خلالها بين أكثر من مدرسة إخراجية، لكنه حقّق حضوره كمخرج طموح، وتحمّس المنتجون لموهبته، وجاء فيلمه الثالث «المهرج الكبير» (1952) المقتبس عن رواية للكاتبة الإنكليزية شيلي سميث، وشارك في بطولته يوسف وهبي وفاتن حمامة وسراج منير وحسن فايق ونبيل الألفي، وحقق الفيلم نجاحاً جماهيرياً محدوداً.

ويُعد «المهرج الكبير» من الأفلام النادرة لشاهين، ويدور في إطار درامي حول موظف بسيط يتحوّل إلى مليونير بعد أن ورث زوجته الثرية، وبعد سنوات عرضته «مكتبة الفنون والوسائط المتعددة» بمكتبة الإسكندرية، يوم 14 يوليو 2016. بمناسبة مرور ثمانية أعوام على رحيل المخرج المصري.

المخرج الجريء كان يعتز بمصريته وعروبته ومزج بين ذائقته الخاصة والتعبير الصادق عن قضايا وطنه

نساء بلا رجال

والتقى يوسف شاهين بالمطربة ليلى مراد للمرة الأولى والأخيرة، في «سيدة القطار» (1952)، قصة نيروز عبدالملك، وكتب شاهين سيناريو الفيلم، وشارك في البطولة يحيى شاهين وعماد حمدي وزينب صدقي وسراج منير، وصادف عرض الفيلم عقب ثورة يوليو بشهر واحد، ولم يحقق وقتها أي نجاح جماهيري.

وتنازلت ليلى عن 6 آلاف جنيه من أجرها البالغ 12 ألف جنيه تعويضاً للمنتج، وكعادة بعض أفلام شاهين التي حققت نجاحها بأثر رجعي، حظى «سيدة القطار» بإعجاب الجمهور، كفيلم غنائي درامي، وأطلق البعض على ليلى مراد مطربة «من بعيد يا حبيبي أسلم» لما لاقته الأغنية من نجاح كبير.

وأخرج شاهين فيلم «نساء بلا رجال» (1953)، قصة الكاتب إحسان عبدالقدوس، وشارك في بطولته ماري كويني (منتجة الفيلم) وهدى سلطان وعماد حمدي وكمال الشناوي، وأثارت فكرة الفيلم جدلاً كبيراً، لتناوله قضية حق المرأة في المشاركة الإيجابية في المجتمع بجانب الرجل، وحظي هذا الشريط السينمائي باهتمام نقدي أكثر من النجاح الجماهيري. 

«ابن النيل» في مهرجان «كان»

كان المخرج العالمي يوسف شاهين معروفاً بجرأته الشديدة، وبعد عرض فيلمه الثاني «ابن النيل» (1951) بطولة فاتن حمامة وشكري سرحان، أراد أن يشارك به فى مهرجان كان السينمائي الدولي، ورغم المحاولات المبذولة كي تشارك مصر رسمياً في هذا المهرجان فإنها باءت بالفشل.

وكتب يوسف شاهين في مقال نادر، يحكي ما حدث بعد إصراره على عرض الفيلم الذي أنتجته ماري كويني بالمهرجان، وقرّر أن يأخذ الفيلم ويسافر لعرضه بأي طريقة.

وعلم شاهين أن برنامج المهرجان ليس به منفذ لفيلم جديد، وفكر مع عدد من زملائه المخرجين المصريين، الموجودين هناك، منهم المخرج نيازي مصطفى في طريقة لعرض الفيلم، وذهبا إلى مدير المهرجان ليطلبا منه فرصة كي ترفع راية مصر بين الدول المشاركة. وتفاعل الجمهور والنقاد مع «ابن النيل»، وبعد ظهور كلمة «النهاية» دوى التصفيق في صالة العرض للمخرج المصري الشاب.

«كاليجولا» مغامرة مسرحية في باريس

توثقت علاقة المخرج يوسف شاهين بالمسرح، منذ سفره إلى الولايات المتحدة في الأربعينيات، ودراسته الفنون المسرحية في معهد باسادينا المسرحي في كاليفورنيا. وهذه الفترة شكلت جزءاً كبيراً في بناء شخصيته الفنية، وتعلّم أصول الإخراج والتمثيل وكتابة النصوص. ورغم أنه لم يُخرج سوى مسرحية واحدة في مسيرته، فإنه كان حريصاً على مشاهدة العروض المسرحية بالقاهرة، وخلال زيارته لباريس ولندن، وساعده في ذلك إجادته اللغتين الفرنسية والإنكليزية.

وكان للمسرح حضوره المميز في كثير من أفلامه، منها «الناصر صلاح الدين» (1963) الذي تخلله بعض المشاهد ذات الطابع المسرحي، منها مشهد محاكمة الدوق آرثر، وتكرر هذا الاستلهام المسرحي في أفلام «عودة الابن الضال» (1976)، و«المهاجر» (1994)، و«المصير» (1997).

وظل المخرج السينمائي مسكوناً بالمسرح، دون أن يغامر بالإخراج على خشبته، حتى جاءته الفرصة الأولى في عام 1992، وعرض عليه مدير مسرح «الكوميدي فرانسيز» في باريس، جاك لاسال، إخراج مسرحية من اختياره في الموسم الصيفي، فاختار شاهين مسرحية «كاليجولا» للكاتب ألبير كامو، وحققت المسرحية نجاحاً كبيراً.

واستمر عرض «كاليجولا» لمدة 25 عاماً، حتى عام 2017، أي بعد 9 أعوام على رحيل مخرجها، وعكست المسرحية مدى النجاح الذي حققته، والإقبال الجماهيري المتواصل، ليحقق يوسف شاهين حضوره المتفرد، كأول مخرج مصري ينطلق في فضاء العالمية.

 

 

 

back to top