القلوب التي تمشي قبل الأقدام
كن قلباً لا قالباً، ومقداماً لا متراجعاً ومبادراً لا متخاذلاً. إن المبادرة بعمل الخير عبارة عن عملة بوجه أخلاقي وآخر إنساني. فهي عملة باهظة بإطار ملؤه الرحمة والتكافل والشعور بالآخرين. عملة إن تم تداولها فسيتحول العالم إلى مكان أكثر ثراء بالعدالة والإنسانية.
إن العلاقة بين عمل الخير وحقوق الإنسان علاقة تكامل ملؤها الوجدان مغلفة بحماية الكرامة الإنسانية، فالمبادرة بالخير تجسد أعلى درجات التطور الأخلاقي للفرد والمجتمع، وهو الانتقال من دائرة الالتزام إلى دائرة التطوع والإحسان، وهي خطوة تتجلى فيها كل أوجه الرعاية واللطف والتسامح ويقظة الضمير.
أليس التضامن الاجتماعي ينصب في خانة ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان؟! إنه مسؤولية جماعية اجتماعية تقتضي منا أن نكون فاعلين في حياة الآخرين، وهو ترجمة لمبادئ الإحسان والفضيلة والتربية الصالحة، إذ إنه يساهم في بناء مجتمع لا يحمل واجبات القانون فحسب، بل يكون كالمحيط الذي تتدفق منه الأخوة والدفء والمشاركة.
اطعم جائعاً، ساعد محتاجاً، ادعم مستضعفاً، علم أمياً، كن إنساناً رحوماً عطوفاً، ولا تنتظر المقابل، بل انتظر الأجر من رب العباد، وانظر للخير كوسيلة للتعبير عن الكرامة الإنسانية المتأصلة وكآلية لتلبية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وعزز دورك كإنسان بتحقيق مبدأ التكاملية بين دور الدولة والمسؤولية الاجتماعية للفرد.
فكثير من الحقوق الأصيلة للفرد، كالصحة والتعليم والسكن والحق في حياة كريمة، من الممكن المبادرة بالخير فيها وسد بعض الآلام بيد المساعدة وأنامل العطاء. تلك الأنامل قادرة على تعزيز مبدأ المساواة وعدم التمييز، حيث إنها مبنية على رؤية الإنسان كإنسان دون الأخذ في الاعتبار جنسه أو دينه أو لونه أو وضعه الاجتماعي. فكلما اقتربنا من روح الآخرين ونظرنا إليهم بعين الإنسانية، حققنا معاير عادلة وشفافة ومستدامة.
لنبادر ونتطوع ونرفع مستوى الوعي بأن هذه المبادرات التطوعية من شأنها أن تغدق السعادة على حياة أحدهم، وتلك المساعدة ستساهم في تمكين الآخرين من تعريفهم بحقوقهم وتوجيههم للسير بخطى ثابتة. فصرخاتهم تلك ستتحول من إغاثة إلى تمكين، ودموعهم الغزيرة ستغدو أمطارا تسقي قلوبهم العليلة.
ختاماً، أما آن الأوان لترجمة القيم الإنسانية إلى أفعال وجدانية وإنسانية وشعورية تحفظ كرامة أحدهم وتوسع ضائقة غيرهم! ولا ننسى في هذا المقام حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: «مثلُ المؤمنين في تَوادِّهم، وتَرَاحُمِهِم، وتعاطُفِهِمْ مثل الجسَدِ، إذا اشتكَى منْهُ عضوٌ تدَاعَى لَهُ سائِرُ الجسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى».
* مترجمة وكاتبة وفنانة تشكيلية