تعبٌ جديد بعبارات قديمة
نقول: «ضغط»، «إرهاق»، «روتين»... كأنها كلمات كافية لشرح ما يحدث لنا، لكن التعب الذي نعيشه اليوم ليس مجرد زيادة عمل، إنه تعبٌ بنبرة جديدة، بينما لغتنا ما زالت قديمة. نحن نستخدم مفردات الأمس لوصف استنزافٍ صنعته إيقاعات اليوم، ثم نستغرب لماذا لا نفهم أنفسنا جيداً، ولماذا نعود كل أسبوعٍ بذاكرةٍ أقلّ وقلبٍ أضيق.
منظمة الصحة العالمية حين أدرجت الاحتراق الوظيفي في ICD-11 عام 2019 وصفته بأنه نتيجة ضغطٍ مزمن في العمل لم يُدر بنجاح، وله ثلاث سمات واضحة: استنزاف الطاقة، والتباعد الذهني أو السلبية تجاه العمل، وتراجع الفاعلية المهنية. هذه ليست رفاهية تعريف، بل مرآة لما نراه حولنا: أناسٌ لا يكرهون وظائفهم بقدر ما يكرهون النسخة المتعبة منهم داخلها.
وتوسع الأدبيات الحديثة في فهم الاحتراق بوصفه تآكلاً بطيئاً للانخراط لا مجرد تعبٍ عابر. مراجعة Maslach (2016) تُذكّرنا بأن الاحتراق ليس مشكلة فردٍ فقط، بل علاقة مضطربة بين الإنسان وبيئة عمله، حين تتضخم التوقعات، وتضيق مساحة التحكم، وتُستبدل المكافأة التي تصنع المعنى بمكافآتٍ تُرضي الشكل.
ومع دخول التعليم والعمل إلى ساحاتٍ رقمية أوسع، صار للتعب وجه إضافي. دراسة حديثة في الكويت (Al-Enezi، 2025) أشارت إلى علاقة بين «الإفراط الرقمي» واحتراق المدرسة لدى طلاب المرحلة الثانوية، مع دورٍ وسيط للمرونة الأكاديمية. حتى الطالب لم يعد يتعب من الكتاب وحده، بل من الإشعارات التي تُدرّس معه، ومن الواجب الذي لا ينتهي حين تُغلق الحصة.
لهذا تبدو جملة «خذ إجازة» أحياناً جميلة... لكنها ناقصة. الإجازة تُريح الجسد، لكنها لا تُعيد تعريف الحدود. والتعب الجديد يحتاج شجاعة في إعادة ترتيب علاقتنا بالوقت، وبالشاشة، وبفكرة الإنجاز نفسها. أن نسأل بهدوء: ما الذي يستهلكني لأنني لا أجرؤ على إطفائه؟ وما الذي أفعله لأنني أخشى أن أبدو أقل حضوراً؟
قد يبدأ التعافي من تغييرٍ صغير في معيار النجاح: ألا يكون «كم أنجزت؟» بل «ما الذي بقي مني بعد الإنجاز؟». أن نمنح لأنفسنا حقّ التوقف القصير دون ذنب، وحقّ إغلاق نافذة رقمية واحدة لا نحتاجها، وحقّ يومٍ لا يكون الإنسان فيه آخر بندٍ في الجدول.
تعبنا اليوم ليس ضعفاً شخصياً دائماً. أحياناً هو إنذار ذكي بأن اللغة التي نصف بها حياتنا لم تعد تليق بسرعة الحياة نفسها. وحين نمتلك لغة أدق، نمتلك شجاعة أدق... لنحمي الإنسان فينا قبل أن نحمي الصورة.