أرشيف «النهار» وخمسون سنة من الحرب

نشر في 11-02-2026
آخر تحديث 10-02-2026 | 19:16
 حمزة عليان

ما الذي تغيّر بعد الحرب الأهلية في لبنان (1975 - 1990)، التي دامت 15 سنة؟ هل أنتجت الحرب جيلاً جديداً لا يحمل المرض الطائفي المزمن؟ هل خلقت مواطناً لبنانياً فيه كامل الأوصاف؟ أم أن التغيير كذبة ووهم عاشته أجيال قبل أن تفيق من الصدمة؟

عدد من المثقفين كانوا يراهنون على أن الحرب ستُحدث تغييراً جوهرياً، فهي «أداة» - أي الحرب الأهلية - وعبورها سيكون إلى الأفضل، فالشعوب لا بُد أن تنظف دورتها الحياتية وتأتي بنوعية قابلة للاستمرار.

ظهرت حالة «اللبننة» وتحولت إلى «فوبيا» عند عدد بين الدول والمجتمعات العربية وكأنها مرض مُعدٍ، تبيّن لاحقاً أن لبنان سبق غيره بدخول دوامة الحروب، وقد نجا إلى حد ما من نتائجها، لكنّ الآخرين «غرزوا» ولم يعُد باستطاعتهم الخروج من العتمة.

أرسل لي الفنان التشكيلي الزميل نبيل قدوح من بيروت، مشكوراً، عدداً خاصاً أصدرته جريدة النهار عن الحروب التي لحقت بلبنان، واختارت له عنواناً لافتاً «التاريخ الذي لم يُدرّسْ»، قالت فيه «إن تاريخ لبنان لم يُكتب بعد، ولأن ذاكرته تركت مُشرعةً على النسيان والتزوير، فقد آن الأوان لكي يُكتب هذا التاريخ كما هو في الواقع، بعد أن فتحت أرشيفها كي لا يترك البلد بلا ذاكرة موحدة ولا رواية مشتركة، وغايتها من وراء ذلك الوصول إلى سردية موحدة لتاريخنا».

وفي سياق الحروب المتلاحقة التي عرفها هذا البلد منذ عام 1943، كانت الحرب الأهلية الأكثر فظاعة وتدميراً، والتي كانت مادة خصبة للباحثين والمؤرخين، منها أحدث كتاب أنتجه «المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات» بعنوان «خمسون سنة على حرب لبنان 1975... الآثار والمتغيرات»، وفيه مراجعات نقدية قيّمة اشترك فيها 12 أستاذاً وباحثاً ومفكراً.

يعتبر السيد طارق متري أن الكل قد انهزم، وأن بلدنا خرج من الحرب مثخناً بالجراح ولا يزال، بينما ينظر رئيس المركز، د. خالد زيادة، إلى الصراع على أنه كان داخل كل طائفة، فهو الوجه الآخر للحرب، فالمخاضات العنيفة داخل الطائفة وجدت في الحرب سبيلاً إلى الاستحواذ على قيادة الطائفة عبر التغيير الذي أصاب البنية الاجتماعية والسياسية.

ولعل دراسة محمد أبي سمرا كانت هي البارزة، مستشهداً برواية فوزي ذبيان «مذكرات شرطي لبناني»، يستقطع جملة منها «لا يستطيع اللبناني التحدث مع لبناني آخر وفهمه بوصفه إنساناً كاملاً متكاملاً، إلا إذا ألحقه بطائفة وزعيم، فشوارع لبنان وأزقته لا تخلو من صورة لزعيم».

خلاصة القول، ما من أحد في لبنان وسواه من الجماعات الأهلية وحروبها وإرثها المقيم يريد أن يكاشف نفسه وسواه بأن ما يكررونه من حروب عقيم، ولا يفضي إلا إلى تكرار الخراب.

back to top