جمعية تاريخ وآثار البحرين تستذكر محمود المردي
أكد الإعلامي والصحافي البحريني مؤنس المردي، أن والده الراحل محمود المردي لم يكن مجرَّد صحافي يُدوِّن الأحداث، بل كان مؤسساً لمرحلة تنوير وطني في تاريخ البحرين، حيث تحوَّلت الصحافة على يديه من مهنة إلى رسالة وطنية وثقافية وأخلاقية محفوفة بالتحديات.
جاء ذلك خلال ندوة نظمتها جمعية تاريخ وآثار البحرين، خُصصت لتسليط الضوء على الإرث الصحافي والفكري للراحل محمود المردي، أحد أبرز أعلام الصحافة البحرينية، بعنوان «الصحافة موقف ومسيرة».
وفي مستهل الندوة، تحدَّث رئيس جمعية تاريخ وآثار البحرين، د. عيسى أمين، مُرحباً بالحضور، ومستذكراً احتفالية منتدى محمود المردي - رواد الصحافة في البحرين، التي أقامتها الجمعية من 12 إلى 14 ديسمبر 1998.
وأوضح أن تنظيم المنتدى جاء بمناسبة مرور 45 عاماً على تأسيس الجمعية، حيث ارتأى مجلس الإدارة أن يكون الموسم الثقافي 1998 - 1999 حافلاً وشاملاً لتاريخ البحرين، اعترافاً بفضل محمود المردي والرواد الأوائل في نشر الرأي الحُر والمعرفة.
وأكد د. أمين أن البحرين كانت سبَّاقة في تأسيس المجالس الأهلية والجمعيات التطوعية، وفي مجالات التعليم والشؤون البلدية، كما كانت بمقدمة دول الخليج العربي في تأسيس دور الصحافة والنشر، مشيراً إلى أن تاريخ الصحافة البحرينية في حقيقته تاريخ للثقافة والمعرفة، وصورة حضارية لمجتمعٍ التزم بأن يكون دائماً في المُقدمة.
وأضاف أن هذا التاريخ كان خُلاصة جهد رجالٍ عرفوا - كما قال محمود المردي - كيف يخلقون شيئاً من لا شيء، وكيف يسخِّرون رجاحة عقولهم لتلبية متطلبات مشاريعهم الصحافية.
وتابع أمين: «نحن الليلة في حضور محمود المردي مرةً ثانية، وأكاد أقول إنه رجل من زمنٍ كان المسؤول يخاف فيه قلم الصحافي... فأين ذلك الزمن؟».
بعدها ترك الحديث للإعلامي مؤنس المردي، الذي أشار في كلمته إلى أن والده استحق لقب «عرَّاب الصحافة البحرينية» عن جدارة، ليس لكونه رائداً في المهنة فحسب، بل لأنه صاحب رؤية متكاملة، أثَّرت في أجيالٍ من الصحافيين، وأسهم في تأسيس عددٍ من التجارب الصحافية الكبرى منذ خمسينيات القرن الماضي.
وأوضح أن دخول محمود المردي ميدان الصحافة تزامن مع تصاعد الوعي الوطني واشتداد الرقابة الاستعمارية، مشيراً إلى أن الصحافة، آنذاك، لم تكن مهنة مستقرة، بل كانت ساحة صِراع بين الوعي والرقابة، والحلم والواقع، وقد اختار والده ليكون في قلب هذا التحدي.
وتناول المردي تجربة مجلة صوت البحرين (1950)، التي أظهرت بواكير التفكير التحليلي لمحمود المردي، حيث عبَّر في افتتاحياته عن القلق من مستقبل الكلمة الحُرة، وعن التحديات المتعلقة بالتمويل والرقابة، مشيراً إلى أن انطلاقة المجلة كانت حلماً سابقاً لإمكاناته.
كما استعرض تجربة جريدة القافلة (1952)، التي مثَّلت نقلة من الصحافة الثقافية إلى الصحافة السياسية الواعية، والتي حملت في عددها الأول دعوةً صريحة للوحدة الوطنية ونبذ الطائفية، لافتاً إلى أن الجريدة تعاملت مع الرقابة بأسلوبٍ ذكي حين تركت المساحات البيضاء مكان المقالات الممنوعة، احتراماً لعقل القارئ.
ولفت مؤنس المردي إلى أن والده كان يعي تماماً أن الصحافة ليست بطولات فردية، بل إدارة واعية للصراع، وهو ما عبَّر عنه في مقولته الشهيرة: «تستطيع أن تغلق الجريدة بمقالٍ واحد، وتستطيع تمرير ألف فكرة من دون أن تُغلق الجريدة».
وعن تجربتَي «الوطن» و«الشعلة»، أوضح أنهما جاءتا استمراراً لنفس النهج المبدئي، حيث أُغلقت «الشعلة» في يوم صدورها، لتكون شاهداً على حدود الممكن السياسي، آنذاك، وعلى استعداد المردي لدفع ثمن مواقفه حين لم يعد الصمت خياراً.
وأكد أن المردي لم يحتكر المعرفة، بل كان معلماً ومؤسساً لجيلٍ من الصحافيين، علَّمهم أن الصحافة أخلاق قبل أن تكون تقنية، وأن الصحافي لا يُقاس بما يكتب فقط، بل بالقِيم التي يغرسها في مُحيطه المهني.
ولفت إلى أن والده لم يكن «صحافي مكتب»، بل كان مثقفاً متفاعلاً مع مجتمعه، مهتماً بالمسرح والأدب والشعر، ومؤمناً بأن الثقافة ليست ترفاً، بل هي عُمق ضروري يعزز من جدية الرسالة الصحافية.
وتناول مؤنس المرحلة الأصعب في تاريخ الصحافة البحرينية، حين توقفت جميع الصُّحف عن الصدور عام 1956، واستمر ذلك حتى عام 1965، مشيراً إلى أن والده ظل حاضراً خلال هذه السنوات في «الانتظار الواعي»، حتى عودته بإصدار جريدة الأضواء، والتي وصفها بأنها «ولادة قيصرية» جاءت بعد صمتٍ طويل، لكنها حملت معها الأمل.
ولفت إلى أن المردي أسَّس من خلال هذه العودة فلسفة تحريرية متزنة: «لا للإثارة، ولا للاستثارة، بل لنقدٍ هادئ يبني، ولا يهدم»، معتبراً أن الصحافة يجب أن تكون مرآة للمجتمع، تعكس عيوبه ومحاسنه من دون تهويل.
وأشار إلى تحقيق حلم الصحيفة اليومية عام 1976، بإصدار جريدة أخبار الخليج، التي شكَّلت بداية جديدة للصحافة البحرينية اليومية المنتظمة، حيث أصبح محمود المردي «رجل مؤسسة»، لا كاتباً فقط، واضعاً الأُسس المهنية والإدارية التي ما زالت حاضرة بعد وفاته عام 1979.
وختم مؤنس: «حين نقرأ اليوم سيرة محمود المردي، فإننا لا نقرأ سيرة فرد، بل سيرة صحافة متكاملة. لقد كتب ليخدم الوطن، لا ليُرضي سُلطة، وهو اليوم معيار نقيس به كل تجربة صحافية تؤمن بأن الصحافة رسالة لا مهنة».