من صيد الخاطر: «تَمَسَّكْ بِحَرْدِكَ حَتَّى تُدْرِكَ حَقَّكَ»
«تَمَسَّكْ بِحَرْدِكَ حَتَّى تُدْرِكَ حَقَّكَ»، مثلٌ عربي قديم واضح المعنى، فالمقصود من الحرد هنا هو العناد والإصرار، وحتى الغضب من أجل استرجاع الحق، والتمسك بالعزة والكرامة، وهذا الحرد على من اغتصب الحق سيؤدي إلى استرجاعه مهما طال عليه الزمن أو قصر، فَدُمْ على حردِك وغيظك حتى تأخذ بثأرك، «فما ضاع حق وراءه مطالب»، والحرد تطلق أيضاً على الحصان فهو أيضاً يحرد، وقد قيل في ذلك:
إذا جياد الخيل جاءت تردى
مملوءة من غضب وحرد
التمسك بالحق ورفض الظلم هما رمزان للكرامة الإنسانية، والغضب من أجلهما مطلوب، والحقوق والمبادئ لا تُؤخذ بوهن، والموت دون الحق شهادة، فقد قال الرسول ﷺ في ذلك: «من قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قُتل دون دمه فهو شهيد، ومن قُتل دون دينه فهو شهيد، ومن قُتل دون أهله فهو شهيد».
وقال أبوبكر الصديق، رضي الله عنه، عن استرجاع حق الضعيف: «الضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه». وقال علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، منتقداً سكوت أهل الحق: «حين سكت أهل الحق عن الباطل، توهم أهل الباطل أنهم على حق».
فالحرد في طلب الحق هو دفاع عن العزة والكرامة ورفض الدونية، وهناك أمثلة شبيهة بمثلنا «تَمَسَّكْ بِحَرْدِكَ حَتَّى تُدْرِكَ حَقَّكَ»، منها «الحقُّ يُؤخذ ولا يُعطى»، و«الساكت عن الحق شيطان أخرس»، و«من رضي بالدونِ، عاشَ دونه». مارتن لوثر كينغ قال: «الحق لا يُمنح طواعية من قبل الظالم، بل يجب أن يُطالب به المظلوم»، ونيلسون مانديلا قال: «دائماً ما يبدو الأمر مستحيلاً حتى يتم تحقيقه». «الحرد» ليس مجرد غضب، بل هو صيانة للكرامة.
وقالها أحمد شوقي صريحة:
وَما نَيلُ المَطالِبِ بِالتَمَنّي
وَلَكِن تُؤخَذُ الدُنيا غِلابا
وَما اِستَعصى عَلى المُتَعَصِّبينَ
إِذا كانَ الرَجاءُ لَهُم رِكابا
أما عنترة بن شداد فقال شعراً رافضاً فيه الذلة وطالباً العزة:
لا تَسقِني ماءَ الحَياةِ بِذِلَّةٍ
بَل فَاِسقِني بِالعِزِّ كَأسَ الحَنظَلِ
ماءُ الحَياةِ بِذِلَّةٍ كَجَهَنَّمٍ
وَجَهَنَّمٌ بِالعِزِّ أَطيَبُ مَنزِلِ
«فمن استلَبَ حَقَّكَ فقد وضعَ قَدَرَه في يَدِك، فلا تُرخِ قَبضَتَك حتى يَستسلم لحردك وِإصرارِك»، «فالحقُّ كالشمس، لا يغطيه الغربال، لكنه يحتاج لعينٍ لا تغمضُ عنه أبداً»، «أما من تَهَاوَنَ في يسيرِ حقه، فقد ضاعَ منهُ كثيرُه، فالحق لا يُهدى على طبقٍ من ذهب، بل يسترجع بعزم من حديد».