العسكري... وجه الكويت الثقافي
أن تتجسد شخصية مهرجان القرين الثقافي باسم الدكتور سليمان العسكري فهذا خبر جميل، لكن الأجمل أن يأتي هذا التكريم في حياة الرجل الذي كان وراء فكرة شخصية المهرجان عندما دشنه لأول مرة، واختار هو بنفسه الكاتب السوري حنا مينا كرمز عربي ثقافي في المهرجان.
سيرته الذاتية مليئة بالإنجازات والمواقع التي شغلها ويمكن قراءتها، تلك السيرة لم تتوقف عند التقاعد بل بقيت صورته حاضرة ومؤثرة في المشهد الثقافي الكويتي والعربي.
كانت حياته متدرجة بالمناصب التي شغلها، فهو ابن بيئة ثقافية منذ نشأته الأولى التي غرست فيه التعلم، ومن جيل انغمس في الشأن العروبي وأبعاده التاريخية والحضارية.
وفي أهم مؤسستين تولى فيهما القيادة كانت له بصمات لا تنسى، وكانت له عطاءات رسخت المرحلة التي تولى فيها المسؤولية بأخلاق وطنية خرج منهما بدشداشة بيضاء لا غبار عليها.
في عهده عاشت «مجلة العربي» عصر التوسع والتجديد الحقيقي، وهي مرحلة أعلى فيها من شأن هذا الهرم الثقافي في المحيط العربي، يحاكي فيها مرحلة التأسيس التي وقف وراءها أحمد زكي.
أصدر ملحقاً علمياً عن الثقافة العلمية تحولت إلى مجلة مستقلة في عام 2011، اهتم بالثقافة الإلكترونية ورصد ظواهر تكنولوجيا الاتصالات لمواكبة ما يحدث في العالم وانعكاساته على الساحة العربية.
استقطب أسماء بعض المثقفين للكتابة دوريا، مثل الدكتور أحمد أبو زيد (زاوية شهرية بعنوان مستقبليات)، والدكتور جابر عصفور، وعدد من الكتاب العرب المتخصصين في قضايا الفكر والثقافة واللغة العربية.
صاحب فكرة إنشاء قناة العربي التلفزيونية، بحيث تكون رافدا إضافيا للعربي بوسيط مختلف. ربط الاستطلاعات المصورة بقضايا ذات أثر في المجتمعات التي يتم تناولها في هذه التحقيقات المصورة.
أنشأ فكرة مسابقة للقصة القصيرة، من خلال تخصيص ناقد لتحكيم القصص ونشر القصص الفائزة وبثها في إذاعة بي بي سي شهريا.
أنشأ موقعاً إلكترونياً يضم محتويات المجلة من عام 1990.
عندما تولى قيادة المجلس الوطني للثقافة عزز من وظيفة هذا البيت الثقافي، كما أراد له مؤسسوه وهو أحد أبنائه.
بعض أهم إنجازاته التي تحسب له العمل على صدور المرسوم الأميري بإنشاء المكتبة المركزية للدولة عام 1994، يومها التقاه المرحوم عبدالعزيز حسين قائلا له: لقد حققت لي حلماً سعيت إليه، ثم جاء بسيدة فاضلة هي المرحومة وفاء الصانع لتتسلم إدارتها.
كان وراء قيام الجائزة التشجيعية للدولة، لإيمانه بأهمية ودور الفنون والعلوم الاجتماعية في رفع مستوى الوعي بالمجتمع، وهي التي تحولت إلى جائزة الدولة للإبداع في عام 2025.
عشقه للفن التشكيلي ترجمه في حياته العملية، وبخلاف تحويل بيته إلى معرض دائم للوحات فقد رعى أول معرض رسم كاريكاتير للفنان عبدالوهاب العوضي في مارس 1990، وكان ولا يزال من المشجعين للفنانين التشكيليين، وعنده قناعة بأنه لا يمكن أن يكون هناك واقع فني تشكيلي حقيقي بالكويت ما لم تتحمل المدرسة والدولة والفنان نفسه المسؤولية.
وكما وصفه أحد العارفين له بأنه ذلك المثقف الذي لا يبخل بنصيحة، يتابع جيل الشباب من أدباء أو ما شابههم، يقرأ نصوصهم، يجلس معهم في زوايا هادئة، يتبادل النصوص والأفكار كي يكون حلقة وصل بين الأجيال.
***
الوداع... هذا الأسبوع ودعنا ثلاثة أصدقاء وزملاء هم: عبد العزيز السريع وميلاد غالي ومصطفى جمعة.. نعزي أهاليهم ولروحهم الرحمة والغفران.