من صيد الخاطر: إنَّما خَدَشَ الْخُدُوشَ أَنُوشُ
«إنَّمَا خَدشَ الْخُدوشَ أَنُوشُ»، مثلٌ عربي قديم قِدم بني البشر، مثلٌ يمكن معرفة المراد منه، «فخَدَشَ» هنا أمرها هين فهي تعني جَرَحَ، أو ترك أثراً، و«الْخُدُوش» هي الجروح أو الندوب، أما «أَنُوشُ»، وهنا بيت القصيد، فإنه لن يخطر على بال أكثرنا، وأنا منهم، من يكون، إلا بالطبع القلّة المتمكنة من التاريخ البشري، إنه ابن شيث، ابن آدم، عليهما السلام.
وقد ذُكِر أن «أَنُوش» هو من عمّر الأرض بعد آدم وشيث، فهو من الجيل الثالث للبشرية، ويُنسب إليه بدء الصنعة اليدوية، كما أنه أول من كَتَبَ وخَدَشَ بخطه أثراً، ولهذا قيل فيه هذا المثل.
فمثلنا «إنَّمَا خَدشَ الْخُدُوشَ أَنُوشُ» يُضرَب فيما قدُم عهدُه، كما أنه يُضرب للمبالغة في القِدَم، حتى صار «أَنُوشُ» رمزاً لكل ما هو غابر في التاريخ، فعندما يرى العرب شيئاً متقادماً، أو أثراً قديماً جداً، يقولون: «هذا خدشه أنوش».
وهناك بيت شعر قيل عن قِدَم الأشياء وكأنها وجدت منذ عهد «أَنُوش»، وهو:
لَبِسْتُ ثَوْبَ عُمْرٍ لَيْسَ يَبْلَى * كَأَنَّ مَطِيَّتِي عَهْدُ «أنوشِ»
وبيت آخر عن القدم يصف فيه الشاعر كيف هَرِمَت القصور وصارت أطلالاً خدشها الزمن وتقادم عليها العهد:
درس المَنازِل فَالقَديم فَأَهرَمُ * فَتَحَمَّلوا مِنها فَكُلُّهُمُ عَموا
وهذا بيت يصف فيه الشاعر كيف يمحو الزمن الآثار القديمة مشبهاً إياها بالكتابة التي أعاد الزمن «خدشها» وصقلها بالسيول.
وجلا السيول عن الطلولِ كأنها * زُبُرٌ تُجِدُّ مُتونَها أقلامُها
وهناك حكاية جميلة قالها أعرابي عندما وقف أمام أطلال قصر، فقال: «يا دارُ، أين سكانُك الذين بنوكِ؟ وأين الملوكُ الذين تعهّدوكِ؟»، ثم التفت إلى صاحبه وقال: «والله إن هذا البناء لَمِمّا شَهِدَ خَدشَ أنوش».
وهناك أمثلة عربية قديمة تضرب للدلالة على القدم:
فيقال: «هذا من عهد عاد»، أو «أقدم من حُجر»، وهي ديار ثمود قوم صالح الذين جابوا الصخر بالواد، و«أقدم من إياد»، فإياد هو أحد أجداد العرب القدامى، ويُستخدم اسمه للدلالة على القِدَم المطلق الذي لا يُعرف له أول، و«أكل عليه الدهر وشرب»، للمبالغة في القِدَم والتهالك، ويقال أيضاً: كأنه «من عهد طسم وجديس»، إشارة إلى قبيلتين عربيتين أسطورتين بادتا منذ زمن بعيد، وهما تصنفان من ضمن القبائل العربية التي بادت وانقرضت قبل الإسلام.
كذلك يقال: «أقدم من نسر لقمان»، وهو يُضرب لمن طال عمره وكأنه «نسر لقمان»، الذي تقادم عليه الزمن، حتى ظن الناس أنه لن ينتهي، مشبهاً بطول عمر لقمان الحكيم الذي عاش طويلاً بعد أن خُيّر بطول العمر فطلب عمر سبعة نسور، لأن النسور تُعمّر طويلاً، وقد تصل أعمار بعضها إلى 70 عاماً، فكان كلما مات نسرٌ للقمان ربّى الآخر، وكان «لبد» آخرها.