المواطن «كاف» يسمي الأشياء

نشر في 30-01-2026
آخر تحديث 29-01-2026 | 18:16
 سليمان البسام

وقع المواطن «كاف» في حزنٍ شديد إثر التهام القطة كشكوله، وقد سمع عن أناسٍ أصابتهم الجلطة، وألوانٍ مفجعة من اليأس، بعد ضياع كشاكيلهم، فشدّ عزيمته، واستذكر إيمانه، وصَفّى ذهنه، وقرر أن يستبدل كشكوله بآيباد. 

قال لنفسه: من الآن وصاعداً سأسمّي الأشياء بأسمائها، ثم مضى قُدماً في مشروعه لصياغة الحِيَل لعلاج علل بلاده، ووصل بقدرة قادر إلى مدينة مسقط البهية.

منذ اللحظة الأولى، اندهش من نظافة المدينة وغياب قطط الشوارع التي تسكن المزابل المتكدسة، فاستنتج - ببراءته المعهودة - ودوّن في كشكوله الإلكتروني: «إما أن بلدية هذه المدينة تقوم بحملة أمنية ضد القطط الشاردة، أو أن أهل المدينة ليس لديهم ما يكفي لملء المزابل».

ثم رفع بصره فرأى المباني متناسقة الهيئة، موحّدة الطابع، منسجمة الألوان، فابتسم بعطفٍ وكتب بشفقة: «واضح أن أهل المدينة لديهم نقص ليس فقط في القطط، بل أيضاً في ألوان الأصباغ». 

ثم قصد دار الأوبرا السلطانية، وقد توقّع - بناءً على ما ألِفه في بلاده - أن يرى بناءً مسخاً من معدنٍ وزجاج، تكلِفةُ تشييده بمئات الملايين، ولا غاية له إلا تفريخُ عقودٍ من الباطن لشركات التنظيف والصيانة، فيما يُترك الفنّ هائماً كقطة شارع، غير أنه فوجئ بعمارة رصينة من خشب الصاج والرخام النفيس. 

دخل القاعة فوجد نفسه أمام أوركسترا حقيقية تعزف موسيقى حقيقية لجمهور حقيقي، فدوّن، وقد غلبه العجب، «من الغرائب أن دار الأوبرا في هذه المدينة تُستعمل كأوبرا».

وبتفاؤله المعتاد، تقدّم إلى مدير الدار قائلاً: «تبارك الرحمن، سقوفكم عالية وصالتكم كبيرة، لم لا تفكرون بتأجير المكان للأعراس ومعارض السيارات؟». أجابه المدير: هذا مبنى سلطاني له غاية أسمى، لكن «كاف» أصرّ، مستشهداً بالنهج التجاري المُتّبع في أوبرا بلاده ومدى نجاح هذا الرهان، فلم يجد المدير خياراً سوى أن يدلّه على الباب.

عاد «كاف» إلى فراشه تلك الليلة، وكشكوله الإلكتروني أثقل مما كان، ثم تذكّر حكايات السحر التي كان يسمعها في طفولته، وحلم أنه يطير على كشكوله كبساطٍ مسحور، متّجهاً إلى المدينة الأخيرة في جولته الإقليمية.

* كاتب ومخرج مسرحي

back to top