من أي فئة من المثقفين أنت؟

نشر في 28-01-2026
آخر تحديث 27-01-2026 | 20:36
 حمزة عليان

نقولا بوفيصل، رجل أعمال لبناني وصناعي من رأسه حتى أخمص قدميه. هذا الرجل امتهن الكتابة، وحملها في عقله، كما يحمل الكاهن الصليب، أصدر 6 أجزاء في سلسلة تحت عنوان «عن لبنان... لماذا أكتب؟»، بدأها عام 2022، ووصلت إلى عام 2025 من دون توقف.

جولة بين صفحات الكُتب ينقلك فيها إلى عوالم من النقد والوجع والآهات، وجع حقيقي، اختار لأفكاره نمطاً خاصاً به ينتقل «من بين» إلى ما بعد هذه الكلمة، وبصورةٍ تعكس خُلاصة ما أراده من الفكرة أو المقالة.

تجارب إنسان مثقف عرض فيها آراءه وقناعاته في هذه الحياة، قارئ جيد للكُتب المقدَّسة، كما هو حاله مع الشأن السياسي والمعيشي.

اختار عناوين صارخة تدل على عُمق الفكرة من دون مُحاباة، بأسلوبٍ سردي بسيط، لكنه مؤلم وجاد.

من تلك العناوين: 1- «بين الكتابة بحبر القلم والكتابة بدم القلب». 2- «بين تأخير الوقت ساعة وتأخير الوطن دهراً».

تجول كتاباته في ثنايا الوجدان، كأنه يغرس بذرةً في عقل القارئ، يُمارس سباحته الفكرية في بحر لبنان الهائج والمتلاطم، ووضع لنفسه إطاراً داخل هذا البلد المنتمي إليه من دون أن يُفارقه.

هذا الرجل يعطي أملاً بأن وجه لبنان الثقافي يحتاج إلى إعادة إنعاش وتجديد للدور الذي يقوم به، وهذا لن يتحقق إذا لم يُواكبه إصلاح سياسي جذري واقتصادي، كي ينعم شعبه بفترةٍ من الاستقرار، بعد أن غرق هذا البلد بحالةٍ من الجنون تُشبه حالة «العصفورية» قبل أن تغلق أبوابها عام 1982. ولمن لم يسمع بهذا الاسم، فـ «العصفورية» هي مصح عقلي للمصابين بأمراض الجنون في لبنان، ذاع صيته منذ تأسيسه عام 1896.

ما جعلني أربط بين الجنون والحرب والسُّلطة، كتاب الباحثة جويل أبي راشد، الحاصلة على الدكتوراه من معهد هارفارد، والذي يكشف عن علاقة «العصفورية»، كمصحٍ عقلي، بالدِّين والسياسة والاقتصاد. وقد نجحت الباحثة في تفكيك المسار المعقد، لتحوِّل «العصفورية» من مشروعٍ تبشيري إلى مؤسسةٍ وطنية ذات نفوذٍ إقليمي، فهي تعتبر أن الجنون لم يكن محصوراً خلف جُدران المستشفى، بل مرآة لاختلالات المجتمع والدولة.

من الأسئلة التي تطرحها الباحثة: كيف نحمي الصحة النفسية من أن تُصبح رهينة السياسة والطائفة؟ 

هذا ما يُعيدنا إلى دور المثقفين الفاعل، أمثال نقولا بوفيصل، وغيره، قبل أن تتعرَّض هذه الطبقة إلى الانقراض. فالمثقف هو الإنسان الذي يحمل وعياً نقدياً، ويتحمَّل مسؤولية تجاه مجتمعه، كما يكتب الدكتور أحمد عبدالعال مستشهداً بالمفكر الفرنسي ريجيس دوبريه، والذي يميز بين المثقف والكاتب والعالم، فالكاتب لا يعنيه إلا العبارة الجميلة، والعالم يكفيه أن يُؤسس حقلاً جديداً للأبحاث العلمية، في حين يحتاج الكاتب والعالم لكي يكونا مثقفين أن يكونا فاعلين في المجتمع.

back to top