ريستارت للحياة: حين تتوارى العربية خلف لغةٍ بلا هوية

نشر في 23-01-2026
آخر تحديث 22-01-2026 | 17:16
 أميرة الحسن

في عصر الطوفان الرقمي، حيث تتصادم اللغات والسياقات في فضاءٍ بلا حدود، نقف أمام ظاهرة لغوية عابرة للأعمار والهويات: كيانات لغوية هجينة تولد بين أزرار الهواتف، وتعيش في مساحات التواصل الافتراضية، لا تنتمي إلى لسان محدد ولا تخضع لثقافة واحدة. ليست لهجة جيل بعينه، إنها حالة لغوية طارئة، ظاهرة عامة تجتاح الصغير والكبير، وتُحدث صدعاً خفياً في نسيج تواصلنا اليومي.

ولأن كل شيء قابل لإعادة التشغيل، فوعينا اللغوي أولى بهذه الإعادة. إلى أين نسير بلغتنا؟ وأي هوية نحمل حين تتحول العربية إلى لهجاتٍ رقميةٍ متفرقة؟ هل نستمر في هذا الانفصال الصامت؟ أم نضغط زرَّ «ريستارت» لنعيد بناء حوارٍ لغويٍ يصل بين قلوبنا وعقولنا؟

ها نحن نعيش المفارقة الأكثر إيلاماً: نتواصل أكثر من أي وقتٍ مضى، ولكننا نفهم بعضنا أقل من أي وقتٍ سبق. لغةٌ هجينةٌ تجمع بين الحروف العربية والمفردات الإنكليزية والرموز العالمية قد غزت حواراتنا، وتسللت إلى يومياتنا، حتى صرنا نتحدث بلغتين في جملةٍ واحدة: لغة القلبِ ولغة الشاشة، لغة الهوية ولغة العولمة. ولم تعد هذه الظاهرة حكراً على الشباب، بل امتدت إلى رسائل العمل، والحوارات العائلية، والتواصل الاجتماعي، حتى غدت ممارسة يومية شبه طبيعية.

ولكن هذه الظاهرة اللغوية ليست بريئةً كما تظهر. إنها تمرد صامت يزرع حواجز خفية بين أفراد الأسرة، فيفقد الحوار دفئه وتتحول المشاعر إلى رموزٍ مجردة. وفي بيئة العمل تخلق فجوات في الفهم قد تصل إلى حد الإخلال بالوضوح والمسؤولية. فما يراه البعض إيجازاً عصرياً يراه آخرون إخلالاً بالوضوح والدقة. أما المجتمع الأوسع فيشهد تآكلاً تدريجياً في نسيجه الثقافي المشترك، حيث تضيق مساحة الفهم العام، وتتسع دوائر الغربة اللغوية داخل الوطن الواحد.

إن إعادة تشغيل حوارنا اللغوي ليست معركةً بين قديمٍ وجديد، ولا صراعاً بين زمنين، بل هندسةُ لقاءٍ واعٍ بين ضفتي زمنٍ واحد. ندعو فيها إلى التحولِ من حراسٍ قلقين على اللغة إلى بنائي جسورٍ للفهم. فالعربية لا تُصان بالإنكار ولا تُجدد بالقطيعة، بل بالحضور الحي في تفاصيل الحياة. وليست متحفاً للكلمات القديمة، بل كائناً حياً قادراً على النمو والتطور، حين نمنحه التوازن والوعي. وحين نغرس في حوارنا فضيلة الفضول المعرفي بدل النقد الجاهز، ونعيد تقديم كنوز اللغة كأدواتٍ حيةٍ قادرةٍ على التعبير والإبداع.

هي دعوة لبناء جسورٍ حواريةٍ بين ضفتي هويتنا: ضفة الأصالة وضفة المعاصرة. أن نستخدم العربية بمرونةٍ تسمح لها بالتعبير عن مستجدات العصر دون أن تفقد جذورها. أن نخلق في بيوتنا مساحاتٍ للحوار تكون فيها العربية وسيلة تواصلٍ حية، لا تراثاً محنطاً. وأن نبتكر طرقاً جديدةً لتقديم لغتنا للأجيال، كي تراها أداةً للإبداع لا قيداً على التعبير.

فلنضغط معاً زر «ريستارت» في مدارسنا وبيوتنا ومجتمعاتنا وإعلامنا وفضاءاتنا الرقمية. ليس لنعود إلى الوراء، بل لنعيد تشغيل حوارنا اللغوي بما يليق بوعينا اليوم، وبما يصنع إنساناً أكثر نضجاً، وعلاقات أصدق، ومجتمعاً أكثر توازناً. فلنجعل من لغتنا جسراً بين الأجيال لا حاجزاً بينها، ومن كلماتنا ملتقى للفهم لا متاهة للغربة.

* إعلامية بحرينية 

back to top