حين تصبح الجدية قناعاً للهروب

نشر في 23-01-2026
آخر تحديث 22-01-2026 | 17:14
 د. أحمد حسين الفيلكاوي

​نركض كثيراً، ونسمّي الركض التزاماً. نملأ يومنا بالمهام، ونسمّي الامتلاء إنجازاً، ثم نعود في آخر الليل ونكتشف أن شيئاً عميقاً لم يتحرّك في الداخل. ليست الجدية دائماً علامة نضج، أحياناً تكون قناعاً أنيقاً للهروب، نحتمي به من سؤالٍ واحدٍ ثقيل: هل نحن ننجز ما ينبغي... أم ما يريحنا من مواجهة أنفسنا؟

 ​في ثقافة اليوم صار الانشغال نفسه شارة مكانة. دراسة Bellezza وPaharia وKeinan (2017) في Journal of Consumer Research وجدت أن الناس باتوا يميلون إلى قراءة «الانشغال وقلة وقت الفراغ» كرمز للندرة والكفاءة والطلب العالي على الشخص. كأن جدولك الممتلئ شهادة غير معلنة بأنك مهم، حتى صار الوقت يُستهلك استعراضاً كما كانت تُستهلك الأشياء استعراضاً.

​هنا يبدأ القناع الحقيقي: حين تتحول الحركة إلى بديلٍ عن الجوهر. قد نحضر كل اجتماعٍ صغير لأننا نخشى مهمة واحدة كبيرة تكشف قدرتنا الحقيقية. وقد نُتقن «الانشغال الذكي» كي لا نقترب من علاقة تحتاج شجاعة صدق، أو مشروع يضعنا أمام احتمال الفشل، أو قرار حياة مؤجّل كأنه لا يرانا. نبدو منضبطين في الصورة... بينما قلبنا يؤجّل الحقيقة.

أبحاث التسويف تشرح هذا الوجه الخفي بدقة. مراجعة Piers Steel (2007) في Psychological Bulletin -المبنية على 691 علاقة ارتباطية- تُظهر أن نفور المهمة، وبُعد مكافأتها الزمنية، وضعف الكفاءة الذاتية، والاندفاعية من أقوى متنبئات التأجيل. نحن لا نؤجل لأننا لا نفهم، بل لأن النفس أحياناً تفضّل ضجيجاً «مفيداً» على خطوةٍ قد تكشف مستوانا الحقيقي. ولهذا ننجز كثيراً مما لا يهدد صورتنا... ونؤخر ما يمكن أن يغيّرنا فعلاً.

​ومع ذلك، ليس المطلوب أن نحارب الجدية، بل أن نعيد تعريفها. الجدية التي تُنقذ الإنسان لا تُقاس بعدد الرسائل التي يردّ عليها، بل بعدد القرارات التي يواجهها بصدق. وقد يبدأ انكسار القناع من حركة داخلية بسيطة: أن نميّز بين عملٍ يملأ الوقت وعملٍ يصنع المعنى، وأن نمنح المهمة الثقيلة موعداً محدداً بدل أن تبقى رهينة المزاج.

​تحليل Gollwitzer وSheeran (2006) حول «نوايا التنفيذ» يشير إلى أن تحويل الهدف إلى صيغة واضحة من نوع: إذا حدث كذا فسأفعل كذا يساعد على سد الفجوة بين القصد والفعل، وتذكر مراجعات لاحقة أن الأثر كان من متوسط إلى كبير في تحسين إنجاز الأهداف. عندها تتراجع الضوضاء ويتقدّم الجوهر، نقلّل من المهمات التي تمنحنا شعور البطولة السريع، ونزيد من الخطوات التي تصنع اتزاناً حقيقياً في الداخل.

​فليس أسوأ من إنسانٍ يركض طوال العام... ثم يكتشف أنه كان يهرب من نفسه.

back to top