من صيد الخاطر: لِكُلِّ أُنَاسٍ في بَعِيرِهِم خَبَرٌ

نشر في 16-01-2026
آخر تحديث 15-01-2026 | 22:35
 طلال عبدالكريم العرب

«لِكُلِّ أُنَاسٍ في بَعِيرِهُم خَبَرٌ»، مثل عربي واضح المعنى، فراعي الحلال أبخص بحلاله، وكلُّ قوم يعلمون عن صاحبهم ما لا يعلمه الغرباء، المثل قاله الفاروق عمر بن الخطاب عن العِلْبَاء بن الهيثم السَّدُوسىُّ عندما وفد إليه في أمر، وكان العِلْبَاء رجلاً ضئيل الجسم، دميم الخلقة، وأعور العين، ولكنه كان طلق اللسان، جيد البيان، فلما تكلم أحْسَنَ، فقال عمر: «لِكُلِّ أُنَاسٍ في بَعِيرِهُم خَبَرٌ»، وقد قصد أن القوم الذين أرسلوا هذا الرجل ليتحدث باسمهم لم يختاروه عبثاً، فهم الأعلم بأمره وخبره، وبفصاحته ورجاحة عقله.

وهناك أبيات شعر حول مخبر الرجل لا مظهره:

تَرَى الرَّجُلَ النَّحِيفَ فَتَزْدَرِيهِ وفي أَثْوَابِهِ أَسَدٌ هَصُورُ

ويُعْجِبُكَ البَلِيغُ إِذَا تَرَاهُ فَيُخْلِفُ ظَنَّكَ الرَّجُلُ الطَّرُورُ

بُغَاثُ الطَّيْرِ أَكْثَرُهَا فِرَاخًا وأُمُّ الصَّقْرِ مِقْلاتٌ نَزُورُ

وقد قال رسول الله ﷺ في عدم الاغترار بالمظهر: «رُبَّ أشْعَثٍ مدفوعٍ بالأبوابِ، لو أقسَم على اللهِ لأَبَرَّه»، وقال: «إنَّ اللهَ لا ينظرُ إلى صُوَرِكم وأموالِكم، ولكن ينظرُ إلى قلوبِكم وأعمالِكم».

الشافعي قال حكمة في ذلك:

وعَيْنُكَ إِنْ أَبْدَتْ إِلَيْكَ مَعَايِبًا لِقَوْمٍ فَقُلْ يَا عَيْنُ لِلنَّاسِ أَعْيُنُ

 فالرجال مخابر لا مظاهر، وقد قالت العرب في ذلك: «المرء مخبوء تحت لسانه»، وقالت: «تكلم حتى أراك»، وقالوا: «إذا أردت أن تعرف عقل الرجل ومعدنه فأغضبه، فإن أنصفك وإلا فاجتنبه»، وكان الحكماء يتركون الرجل يتحدث في مجالسهم طويلاً من دون أن يقاطعوه حتى يعرفوا مخبره.

وهناك أقوال وحكم منقولة عن الأحنف بن قيس تُجَّسد معنى مَثَلَنا «لِكُلِّ أُنَاسٍ في بَعِيرِهُم خَبَرٌ»، حيث كان رجل تجمعت فيه عيوب خِلقية كثيرة، فقد كان قصير القامة، نحيف البنية، مائل الساقين أحنف الرجلين، ناتئ الذقن، غائر العينين، يستصغره من لا يعرف شأنه، ولكن قومه الذين عرفوا قدره قالوا فيه: «والله لغضبة الأحنف بن قيس أحب إلينا من مئة ألف سيف»، وحتى أن خبره عند العرب فاق مظهره، فاشتهر بينهم في حِلمه وسداد رأيه.

وحصل أن دخل الأحنف يوماً على الخليفة معاوية بن أبي سفيان، الذي كان يُقدّر مكانته، فسأله بعد أن قربه إليه: «ما الحلم يا أحنف؟» فقال: «الحلم هو الذل يا أمير المؤمنين، غير أن صاحبه يصبر عليه»، فقال معاوية: «ليس هذا بالحلم»، فرد الأحنف: «إذن هو ترك الانتقام مع القدرة عليه».

وكانت للأحنف أقوال حكيمة، منها: «ما نازعني أحد إلا أخذتُ فيه بأحد ثلاث: إن كان فوقي عرفتُ له فضله، وإن كان مثلي تفضلتُ عليه، وإن كان دوني أكرمتُ نفسي عنه»، وقال: «اعتزلوا من لا حلم له»، وقال: «مروءة الرجل في نفسه، صدق اللسان، واحتمال العثرات، وبذل المعروف»، وقال: «لا يتم أمر الرجال حتى يتم لهم عقولهم».

وكان معاوية بن أبي سفيان أحد دهاة العرب، ولهذا قرّب إليه رجالاً كالأحنف.

back to top