ريستارت للحياة: من العقول الوطنية يبدأ البناء

نشر في 16-01-2026
آخر تحديث 15-01-2026 | 19:22
 أميرة الحسن

هل نستمر في اقتناء شمس الآخرين، بينما تشرق شمسنا من وراء جبال الشك؟ وهل نبقى عالة على إبداع العالم، ونحن نملك كنوزاً من العقول لم تُستخرج بعد؟ فكل نهضة اقتصادية حقيقية تبدأ من سؤالٍ بسيط لكنه حاسم: لماذا نبحث عما نملكه في الخارج؟ ولأن كل شيءٍ قابل لإعادة التشغيل حتى نحن، نضغط هذا الأسبوع معاً زر «ريستارت» لموضوع بالغ الأهمية: الاقتصاد الداخلي، لا بوصفه شعاراً نظرياً، بل باعتباره مساراً واقعياً لبناء مستقبلٍ أكثر توازناً واستدامة.

إنه «ريستارت» الثقة بالذات الوطنية، والانقلاب الهادئ على عقدة «المستورد أفضل»، والتحول الواعي من ثقافة الاستهلاك إلى فخر الإنتاج. لطالما نظرنا إلى ما وراء الحدود بحثاً عن الحلول، متغافلين عن طاقاتٍ هائلة تنام في الداخل. نملك العقول المبدعة، والأيدي الماهرة، والرغبة الصادقة في العطاء، لكننا نفتقر أحياناً إلى الثقة الجريئة التي تحول هذه الطاقات إلى واقعٍ ملموس. فكيف نطالب العالم بأن يحترم منتجنا، ونحن أول من يشكك فيه؟

إن التحول إلى اقتصاد داخلي قوي لم يُعد ترفاً فكرياً، بل ضرورة وجودية في عالم تتزايد به الحواجز وتتقلص الموارد. هو الضمانة لكرامتنا الاقتصادية، والسبيل لتحويل شبابنا من باحثين عن وظائف إلى صانعي فرص عمل. فالاقتصاد لا يُبنى بالمصانع وحدها، بل بالعقليات التي تؤمن بها قبل أن تُشيدها.

ومن هنا يبدأ «ريستارت» الاقتصاد الداخلي: من العقل قبل المصنع، ومن كسر القيد النفسي الذي يجعلنا نفضل المنتج الأجنبي حتى حين يكون نظيره المحلي مساوياً أو متفوقاً في الجودة. إنها مراجعة شجاعة لأسطورة «العلامة التجارية» التي حولناها إلى سجنٍ لإبداعنا. فدعم المنتج الوطني ليس انحيازاً أعمى، بل رهاناً واعياً على الجودة والاستدامة، وحكمةً اقتصادية تُترجم إلى استقرارٍ وأملٍ وخطوة نحو الاكتفاء.

ولا يقتصر الاقتصاد الداخلي على المصانع وحدها، بل هو منظومة متكاملة تبدأ بالتعليم والتدريب، وتمرّ بدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتشجيع الابتكار، وتسهيل النفاذ إلى التمويل والأسواق. هنا تصبح الدولة شريك تمكين لا متلقي مطالب، وتغدو السياسات العامة محفزاً للثقة لا بديلاً عنها. ومن الإنصاف القول إن الحكومات العربية، في مجملها، لم تُقصر في المبادرات والبنى الداعمة، غير أن التحدي الأكبر لا يزال ثقافياً واجتماعياً: كيف نبدل ذائقتنا الاقتصادية، ونُعيد الاعتبار للجودة الوطنية، ونمنح المنتج المحلي فرصة عادلة للمنافسة؟

إن بناء الاقتصاد الداخلي ليس مسؤولية الحكومة وحدها، بل هو عقد اجتماعي جديد بين جميع أطراف الوطن: حكومة تهيئ البيئة التشريعية، وقطاع خاص يبادر ويستثمر، ومؤسسات تعليمية تبتكر وتؤهل، ومستهلك يختار بوعي ويشجع. وعندما تلتقي هذه الإرادات، لا نصنع نمواً فقط، بل نؤسس لتنميةٍ حقيقية قابلة للاستمرار.

فلنضغط هذا الأسبوع زر «ريستارت» لا لنعود إلى الوراء، بل لنمضي إلى الأمام بثقة. لنستبدل عقدة المستورد بثقة المنتج، وثقافة الاستهلاك بإرادة الإنتاج. لنحول بيوتنا إلى حاضنات فكرة، ومجتمعنا إلى سوقٍ حي لمنتجاتنا. لنبدأ من جديد ونحن نؤمن بأن أقوى اقتصاد يبدأ من أقوى ثقة، وأن أعظم ثروة نملكها ليست ما نستورده، بل ما نؤمن بقدرتنا على صناعته. فالشمس التي نبحث عنها في أقاصي الأرض تشرق من داخلنا، فلننفض عنها غبار الشك، ولنبدأ بالبناء.

 

back to top