بُعد آخر: عَودٌ على بدء...القواعد أولاً

نشر في 16-01-2026
آخر تحديث 15-01-2026 | 18:24
 د. عبدالرحمن بدر القصّار

في كل مرة تظهر أزمة فساد في جمعية تعاونية، ينصرف النقاش سريعاً إلى الأشخاص، وتُنسى القاعدة الأهم: الأفراد يذهبون ويأتون، أما القواعد الضعيفة فتبقى وتعيد إنتاج الخلل.

من هنا، لا يكون الإصلاح الحقيقي باستبدال مجلس بآخر، بل ببناء «منظومة حوكمة» تساهم إلى حد كبير في سد الثغرات التي يتسلل منها الفساد. 

ومن أهم خطوات هذا المسار أن يعمل مجلس الإدارة ضمن «سياسات حوكمة» مكتوبة ومُلزمة، تُطبَّق على أعضائه والإدارة التنفيذية والموظفين على حد سواء. فسياسات تعارض المصالح، والإفصاح وتفويض الصلاحيات، والتعيين والتوظيف، ليست عبئاً إدارياً، بل أدوات لضبط القرار ومنع تضارب الأدوار وتداخُل الصلاحيات.

ولا تكتمل هذه المنظومة من دون إخضاع رئيس وأعضاء مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية لتقييم سنوي موضوعي، وفق معايير واضحة ومعلنة منذ بداية المهمة، تتولى تنفيذها إدارة الرقابة والتفتيش التعاوني في وزارة الشؤون الاجتماعية، فالتقييم حين يكون معروفاً مسبقاً يصبح أداة عدالة واستقرار، لا وسيلة مفاجأة أو تصفية حسابات. ويكتمل هذا الإطار بإقرار سياسة واضحة للإبلاغ عن المخالفات تكفل حماية المبلّغين، لما توفره من قدرة على كشف التجاوزات في مراحلها المبكرة، وتعزيز ثقافة النزاهة داخل الجمعية.

أما مكافآت أعضاء مجلس الإدارة، فلا معنى لها إن لم «تُربط بالأداء الفعلي وحضور اجتماعات المجلس ولجانه»، فالمكافأة غير المرتبطة بعمل حقيقي تفقد عدالتها وتضعف ثقة المساهمين بالمجلس. وفيما يتعلق بتشكيل مجلس الإدارة، فإن «تقليص عدد الأعضاء إلى سبعة» يعزّز فاعلية اتخاذ القرار، ويخفف الأعباء المالية عن ميزانية الجمعية، بما ينعكس إيجاباً على المساهمين وجودة الخدمات المقدمة للمنطقة. ويُستكمل ذلك باعتماد «نظام القوائم المغلقة»، بحيث تتنافس البرامج والرؤى لا الأفراد، ويتشكل المجلس كاملاً من القائمة الفائزة لمدة ثلاث سنوات، مع توفير آلية واضحة للتعامل مع الشواغر أو حلّ المجلس عند فقدان النصاب المؤثر. 

الشفافية بدورها - كأحد مبادئ الحوكمة - يجب ألا تبقى شعاراً عاماً، بل ممارسة يومية، فالإفصاح في التقرير السنوي للجمعية عن حضور الأعضاء لاجتماعات المجلس ولجانه، وعن المخالفات المالية والإدارية، إلى جانب الإفصاح الفوري عن الاستقالات أو العزل، وتعطّل توريد السلع الأساسية، وكسر الودائع في البنوك، والدعاوى القضائية المؤثرة، هو حق أصيل للمساهم يمكّنه من المساءلة وتقييم ممثليه على أساس معلومات لا انطباعات.

وفي الجانب الرقابي، فإن إنشاء لجنة تدقيق دائمة تتبع مجلس الإدارة، وربط المدقق الداخلي بالمجلس لا بالإدارة التنفيذية، يعزز الاستقلالية ويُمكّن المجلس من معرفة مواطن الخلل قبل تفاقمها.

كما أن «تقييد صلاحيات المدير المعيّن مؤقتاً» بتسيير الأمور العاجلة فقط يمنع اتخاذ قرارات قد تؤثر سلباً في غياب مجلس منتخب. وبمثل هذه الأفكار، لا تصبح الحوكمة عبئاً إضافياً، بل شبكة أمان تحمي الجمعيات التعاونية، وتمنع تكرار الأزمات، وتعيد النقاش من الأشخاص إلى القواعد، حيث يجب أن يكون.

* متخصص في الحوكمة وعضو معهد الحوكمة المعتمد في بريطانيا وأيرلندا (CGIUKI)

back to top