في الصميم: لابد وأن عباس يمزح

نشر في 13-01-2026
آخر تحديث 12-01-2026 | 18:58
 طلال عبدالكريم العرب

اعتاد لبنان العربي، وعلى مر عقود، أن تُفرض عليه زيارات إيرانيين ليملوا عليه وعلى حزبهم تعليماتهم، وليفرضوا عليهم أسماء لشخصيات محسوبة عليهم تتسلم مناصب سياسية وسيادية، وكان لبنان الرسمي ينصاع لما يُملى عليه رهبة وخوفاً من القوة القاهرة للسلاح الإيراني الذي يملكه ذلك الحزب المهيمن على الساحة اللبنانية بكاملها، بحدودها وموانئها ومطارها.

عباس عراقجي، وزير خارجية النظام الإيراني، أتى هذه المرة إلى لبنان وقد تغيرت الظروف وانقلبت الموازين عليه وعلى بلده، هذه المرة أتى وقد خلت الساحة اللبنانية من حسن نصرالله، ومن معظم القيادات الولائية الفاعلة، بعد أن تلقى حزبه ضربة قاصمة من عدو العرب الصهيوني، لتماديه وتعديه لخطوط حمراء مرسومة له، أتى وقد تحررت سورية من حكم بشار، ومن ميليشيات إيران المجرمة. لم يعد لبنان كما عَهده، ولم تعد إيران كما عهدناها، فنظامها يبحث عن طوق نجاة ينتشله من الأخطاء القاتلة التي أوقع نفسه فيها.

أتت زيارة عباس للبنان بعد أن رفض وزير خارجية لبنان الوطني يوسف رجي دعوته لزيارة طهران، كان موقفاً شجاعاً عبر فيه عن الرفض اللبناني للتسلط الإيراني عليه، ولكن زيارته تحولت إلى مادة لتندر اللبنانيين، فعباس عرض على اللبنانيين ما لا يملكه، وما هو فوق طاقة نظامه، فهذه المرة أتى وكأنه لم يستوعب بعد ما جرى من حوله، وما يجري في بلده.

طبعاً أحد بنود زيارته الرئيسية هو التوصل إلى صيغة ترضيه حول وضع سلاح حزبهم، ولكن ما أثار سخرية المراقبين اللبنانيين هي تركيبة وفده المرافق له، وهي تركيبة اقتصادية ليس لها محل من الإعراب، لا للبنان وبالتأكيد لا لإيران، ويبدو أن عراقجي يحلم بتحويل العلاقة مع بلده إلى شراكة اقتصادية لضمان بقاء نفوذه في لبنان تحت غطاء رسمي، مقابل تقهقره الميليشياوي.

عباس عرض إعادة إعمار ما تسبب حزبه في تدميره بلبنان، وعرض تقديم مساعدات إنسانية وطبية، وهنا تكمن السخرية بين واقع الحال في إيران، التي يتضور سكانها من الجوع والعطش، وواقع الحال في لبنان، فهو يعرض على لبنان مشاريع كهربائية متكاملة، رغم معاناة المدن الإيرانية، بما فيها طهران، من انقطاعات الكهرباء بسبب نقص الوقود، وعرض رفع حجم التبادل التجاري الهزيل لدعم الليرة اللبنانية، رغم هبوط الريال إلى 1.47 مليون مقابل الدولار الواحد، لقد أتى وكأنه يعرض على اللبنانيين تقاسم الفقر والجوع مع بلده.

عباس يعرض على اللبنانيين أحلام يقظة لا نعتقد أنه هو نفسه يصدقها، فالسلطات الإيرانية منحت مواطنيها 7 دولارات شهرية لمواجهة الغلاء الذي أنهكهم، ويتحدث في بيروت بصيغة الدولة المانحة.

نقول: لابد أن عباس عراقجي يمزح، فواضح أنه يعيش حالة انفصام عن الواقع، فالنظام الإيراني يخوض صراع بقاء مصيرياً بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، وجنابه يعرض في بيروت أن تكون إيران رئة لبنان الاقتصادية، إنها حالة وصفها أحد اللبنانيين بأنها نوع من الكوميديا السوداء، لأن فاقد الشيء لا يعطيه.

back to top