من صيد الخاطر: «قَدْ يُمكّنُ المُهْرُ بَعْدمَا رَمَحَ»

نشر في 09-01-2026
آخر تحديث 08-01-2026 | 20:27
 طلال عبدالكريم العرب

«قَدْ يُمكِّنُ المُهْرُ بَعْدمَا رَمَحَ»، مثل يُضرب لمن ذلَّ بعد جِمَاحِه، وهو مثل عربي قديم له دلالة ومعنى لا يمكن إغفالهما، ويدل على الانقياد بعد التمنّع، والخضوع بعد الأنفة، ويقال في هذا أيضاً المثل الشبيه: «الدَّهرُ أَدَّبَهُ».

 «قَدْ يُمكّنُ المُهْرُ بَعْدمَا رَمَحَ»، يقال لمن كان يظن في نفسه القوة والمنعة، مترفعاً على غيره، ثم دارت عليه الدوائر حتى اضطر للقبول بما كان يرفضه، أو الخضوع لمن كان يتعالى عليهم، إنه خضوع لواقع قاهر لا بُد منه.

فالأيام، وإن طالت، ستؤدب وتُخضع المغرور المتكبر، وتذلّه بعد القوة، وهناك أمثلة لقادة ومتنفذين أصيبوا بالغرور بعد أن مُكّنوا من السلطة والقوة، واعتقدوا أن لا أحد يستطيع كبح جماحهم، لكن الزمان تمكّن منهم فأطاحهم، ولم ينفعهم رَمَحَهم على من تسلّطوا عليهم.

هناك أمور لا بُد أن «تطَأْطئ لها لِتَمُرَّ»، فلا بد للمرء أن يروض نفسه في بعض الأمور، فالجموح الدائم يؤدي بصاحبه إلى التهلكة كما حصل لجبلة بن الأيهم، آخر ملوك الغساسنة، وكما حصل لغيره، فهو لم يجمحه إسلامه ولم يروضه، إذ عندما أسلم وأثناء طوافه حول الكعبة، داس أعرابي على طرف إزاره، فلطمه جبلة، فاشتكى الأعرابي عند الفاروق عمر بن الخطاب، فأمر عمر بأن يقتص منه، وأن يلطم جبلة كما لطمه، إلّا أن جبلة استكبر وقال: «كيف وهو سوقة وأنا ملك؟».

وفرّ جبلة إلى القسطنطينية وارتد عن الإسلام ليعيش في كنف ملك الروم محتفظاً بلقب «ملك»، لكنه عاش هناك غريباً، ذليلاً، تنهشه الحسرة، وكتب قصائد يبكي فيها على إسلامه وعلى ذله بعد أن كان في قومه عزيزاً، فقال في إحداها:

فيا ليتني لم ألطم الأعرابيَّ مرةً 

وليتني كنتُ كالأعمى أُقاد برسنِ

وهناك أمثلة وأشعار عديدة تصف كيف يلوي الزمان عُنق الكبرياء، وماذا يحصل لمن لم يستطع كبح جماح نفسه، ويروضها فينقلب حاله من العز إلى الذل، إذ يقول أحدهم:

أَينَ المُلوكُ ذَوو التيجانِ مِن يَمَنٍ

وَأَينَ مِنهُم أَكاليلٌ وَتيجانُ؟

وَأَينَ ما شادَهُ شَدّادُ في إِرَمٍ  

وَأَينَ ما ساسَهُ في الفُرسِ ساسانُ؟

فَصارَ ما كانَ مِن مُلكٍ وَمِن عِزٍّ

كَما حَكى عَن خَيالِ الطَيفِ وَسنانُ

المتنبي رأى أن الزمان لا يصادق أحداً، وأن كل من اعتزّ بقوته سيأتيه يوم يلين فيه، فقال:

صَحِبَ النَّاسُ قَبْلَنَا ذَا الزَّمَانَا 

وَعَنَاهُمْ مِنْ شَأْنِهِ مَا عَنَانَا

وتولوا بغُصّةٍ كُلُّهم مِنهُ

وإن سَرَّ بَعضَهم أحيانا

هذه الأشعار تؤكد أن «تمكين المهر» ليس دلالة على الرضا، بل هو أحياناً إذعان المغلوب، فالمهر الذي كان يرمح، لم يسكن طوعاً، بل لأن قواه خارت أمام إصرار السايس.

back to top