تسريبات الجمعيات!

نشر في 07-01-2026
آخر تحديث 06-01-2026 | 18:57
 د. عبدالرحمن بدر القصّار

في كل مرة يُطرح فيها تعديل على قانون الجمعيات التعاونية، يتجدد الجدل حول شكل الإدارة وتركيبة مجالس الإدارات، بينما يغيب السؤال الأهم: هل تعالج التعديلات المقترحة جذور الخلل أم تكتفي بإعادة ترتيب الأدوار؟ فالإصلاح المؤسسي الحقيقي لا يكون بالضرورة بجعل التعيين ضمن أدوات الإصلاح، بل بتمكين الانتخاب عبر تأهيل من يُمنح ثقة المساهمين، وتحصين المجالس مسبقاً بالكفاءة والمُساءلة.

في هذا الإطار، يُحسب لوزارة الشؤون الاجتماعية أنها تبنّت أحد المقترحات التي تقدّمنا بها ضمن مبادرتنا لحوكمة الجمعيات التعاونية، والمتعلق باشتراط اجتياز مرشحي مجالس إدارات الجمعيات التعاونية لدورة تأهيلية واختبار موضوعي قبل نيل العضوية. فربط الترشح بالاجتياز يمثل نقلة نوعية من منطق المعالجة بعد وقوع الخلل إلى منطق «الوقاية المؤسسية»، ويعالج أصل المشكلة عبر رفع كفاءة من يتولى القرار، من دون المساس بحقوق المساهمين أو جوهر العمل التعاوني.

هذا التوجه يعكس فهماً أعمق للحوكمة بوصفها بناءً للقدرات وتحديداً للمسؤوليات، لا مجرد تشديد للرقابة أو تغيير شكلي في تركيبة المجالس. فمجلس الإدارة الكفؤ هو خط الدفاع الأول ضد سوء الإدارة والفساد، عندما يكون نتاج اختيار واعٍ ومستنير من المساهمين.

غير أن هذا التطور الإيجابي يفتح الباب لمناقشة اتجاه آخر في مشروع القانون، يتمثل في «تعيين ممثلين عن بعض الوزارات في مجالس إدارات الجمعيات التعاونية». فالجمعيات ليست مرافق حكومية، بل مؤسسات اقتصادية مجتمعية يملكها مساهمو المناطق السكنية، ويتحملون نتائج أدائها نجاحاً أو إخفاقاً، وهو ما يستدعي وضوحاً صارماً في توزيع الأدوار والمسؤوليات.

وبالتالي يثور هنا تساؤل جوهري: ما هو مبرر وجود ممثلي وزارة الشؤون داخل مجالس إدارات الجمعيات التعاونية، في حين تمارس الوزارة رقابتها فعلياً عبر مراقبين ماليين وإداريين في كل جمعية تعاونية. فهذه الآليات الرقابية تمكّنها من المتابعة ورصد المخالفات والتدخل وفق الأطر القانونية من خارج مجلس الإدارة. أما الانتقال إلى الجلوس على طاولة اتخاذ القرار فلا يعزّز الحوكمة، بل يخلق ازدواجية في الأدوار تضعف المساءلة.

وهذا الخلل لا يقتصر على الجانب الحوكمي فحسب، بل يمتد إلى مسألة المسؤولية وتحمل التبعات. فإشراك ممثلي وزارات المالية والتجارة والشؤون في مجالس الإدارات يعني عملياً تحميل الحكومة مسؤولية أي تقصير أو فساد مستقبلي، وإلقاء أعباء إدارية ومالية إضافية على كاهلها هي في غنى عنها، حيث لم تتضمن رؤية الكويت 2035 أن تدير الحكومة، عبر ممثليها، جمعيات تعاونية يملكها المواطنون وتقوم فلسفتها على الاستقلالية والمساءلة المجتمعية.

إن الإصلاح المستدام للجمعيات التعاونية لا يتحقق بتوسيع الإدارة الحكومية لها، بل بترسيخ إطار قانوني واضح يعزز حوكمة تلك الجمعيات ويُبقي الدور الحكومي في موقعه الطبيعي: تنظيماً ورقابة لا إدارة.

لذلك نتمنى من وزارة الشؤون الاجتماعية العدول عن فكرة تعيين ممثلي الوزارات المشار إليها بمجالس الإدارات والاكتفاء بالرقابة والتحصين المسبق للعمل التعاوني.

وللحديث بقية...

* متخصص في الحوكمة وعضو معهد الحوكمة المعتمد في بريطانيا وأيرلندا (CGIUKI)

back to top