السنة التي لا تبدأ من التقويم

نشر في 02-01-2026 | 16:14
آخر تحديث 02-01-2026 | 16:18
 د. أحمد حسين الفيلكاوي ​ليس كلُّ عامٍ جديدٍ يبدأ حين تتبدّل الأرقام. بعض السنوات تُولد في الداخل حين ينهزم الوهم ويصحو المعنى. نستقبل يناير كمن يستقبل ضيفاً رسمياً: تهاني وصور ووعود تُكتب بسرعة ثم تُنسى بسرعة أكبر. لكن الحقيقة أبسط وأقسى: التقويم لا يُصلح ما أفسدته العادة، والاحتفال لا يُرمّم إنساناً لم يُراجع نفسه بصدق.

​والعلم هنا لا يفسد الشعر، بل يحميه من الخيبة. تجربة واسعة على قرارات رأس السنة نُشرت عام 2020 وجدت أن من يختار أهدافاً “اقترابية” تبني سلوكاً جديداً كان أكثر نجاحاً من الذي يختار أهدافاً “تجنّبية” تقوم على المنع فقط؛ 58.9% مقابل 47.1%، وفي متابعة بعد عام قال نحو 55% من المشاركين إنهم نجحوا في المحافظة على قراراتهم.  هذه ليست أرقاماً باردة؛ إنها تهمس لنا أن النفس تريد أن تُبنى لا أن تُطارَد، وأن الهدف حين يُعرَّف بما سنصير إليه يكون أرحم وأكثر قابلية للحياة.

​ثم تأتي الحقيقة التي لا نحبّها لأننا نريدها أسرع: العادة ليست أمنية، بل زمن. دراسة تكوين العادات في الحياة اليومية (Lally et al., 2010) وجدت أن الوصول إلى مستوى عالٍ من تلقائية السلوك يستغرق في المتوسط 66 يوماً، وبمدى واسع من 18 إلى 254 يوماً حسب طبيعة العادة.  لذلك يموت حماس الأسبوع الأول سريعاً: نحن نطلب من النفس حصاد موسمٍ كامل ونحن لم نزرع إلا يومين، ثم نستغرب لماذا تنطفئ.

​وحين تتردد النفس، لا تحتاج خطاباً أطول، بل باباً أوضح. الفكرة التي عُرفت في الأدبيات باسم “نوايا التنفيذ” والتي رسّختها مراجعة تحليلية عام 2006 تشير إلى أن تحويل الهدف إلى صيغة محددة من نوع: “إذا جاء الوقت أو الموقف الفلاني، فسأفعل كذا” يساعد على سدّ الفجوة بين النية والفعل ويزيد فرص الثبات.

​السنة التي تستحق أن تُسمّى جديدة قد تبدأ بقرار صغير لا يصفّق له أحد: أن تجعل هدفك بناءً لا مطاردة، وأن تُسكنه في سياق ثابت من يومك، وأن تمنح نفسك زمناً واقعياً بدل أن تحاكمها بمنطق العجالة. قد تبدأ بأن تُنقذ نومك قبل أن تُنقذ جدولك، وأن تُخفف ضجيجاً كنت تظنه عادياً وهو يلتهمك بصمت، وأن تُعيد ترتيب علاقةٍ تستنزفك باسم اللطف.

​نحن لا نحتاج سنةً جديدة بقدر ما نحتاج عيناً جديدة. عيناً ترى أن كثيراً من تعبنا ليس قدراً، بل تأجيلٌ متقن. فالعمر لا يُقاس بعدد ما دخلنا من سنوات، بل بعدد ما خرجنا من النسخ القديمة من أنفسنا.
back to top