من يوميات الرحالة البريطانية غيرترود بيل قبل قرن من الزمان (الحلقة 6)

نشر في 01-11-2014 | 00:01
آخر تحديث 01-11-2014 | 00:01
من دمشق إلى حائل على ظهور الإبل
في 16 ديسمبر 1913، انطلقت رحلة غيرترود بيل من دمشق، ميممة حائل بقافلة مكونة من 17 بعيراً محملة بالمؤن والخيام، وثلاثة جمّالين، وطباخ، ومرشد، وقد تلقت تحذيرات عن المخاطر المحتملة، وبالرغم من أخذها الحيطة والحذر في ترحالها، فإن المخاطر واكبت رحلتها: حين هاجم قافلتها بعض الفرسان وسلبوا أسلحتها وذخيرتها عنوة، وانتظرت أسبوعاً حتى أعاد أحد شيوخهم ما سُلب، ثم اعترض طريقها مسؤول عثماني لمنعها من السفر؛ وبعد 10 أيام من المفاوضات المضنية، تمكنت من إقناعه بالسماح لها بالسفر. وعند مرورها بأراضي إحدى القبائل اعترض طريقها شيخ تلك القبيلة، ولم يسمح لها بالمرور، بحجة أنها "نصرانية"، واقترح سراً على رجال قافلتها قتلها وتقاسم حاجاتها، وفي حائل ظلت غيرترود بيل حبيسة في قصر برزان قرابة 11 يوماً، وقد سجلت معاناتها في يومياتها يوماً يوماً. وكانت، مع كل تلك المصاعب، مفعمة بالحيوية والحماسة، وقد شدها جمال الطبيعة في صحراء النفود، وكثيراً ما اعتقدت أنها دخلت إلى كوكب آخر، وأنها تعيش أجواء "ألف ليلة وليلة" الحقيقية.  

وتستعرض بيل في ما يلي يومياتها من 2 فبراير 1914 إلى 9 فبراير من العام نفسه.

الاثنين 2 فبراير 1914

وأخيرا شرعنا في الرحيل مغادرين مضرب محمد، وقد أعطانا محمد نصف كيس من القمح حملناه على أحد رواحلنا، مقابل ذلك أعطيته منظار زايس، وطلب وساطة علي لمنحه المزيد من الهدايا وأخيرا رضي بما أهديته، وكان الجميع يسأل عن التتن (التبغ). كان الطقس غائما وباردا جدا اختفت معه الشمس، ويرتحل العرب على الدوام وتقوم النساء بأعمال التجهيز للرحيل، لذا يشتكين بمرارة من التنقل المستمر، وقد عبرنا واديا ودخلنا في وادٍ آخر سرنا وسطه، وهذا الأخير يفضي إلى الحوصا، ثم دلفنا إلى حافة التلال.

وعلى نحو مفاجئ رأينا كتلا من الحجارة الكبيرة متناثرة هنا وهناك إلى الأسفل، وفي الوادي الرملي وجدت نباتات غريبة، وكأنها بلا جذور وبلا أوراق تشبه نبات الهليون الكبير، واللافت للنظر أن هذه النباتات كلها خضراء، تشكيل ملون واضح للتلال في أسفله: أحجار رملية حمراء وفي أعلاه صخور بركانية رمادية.

هذه الأحجار الرملية تعصف بها الرياح فتتناثر ولا سيول تجرفها إلى التلال، وجدنا ذلولنا (مطيتنا) هنا وأقمنا مخيمنا بالقرب من أشجار السدر.

أخذت أقرأ رواية «محنة تشارلز فيفرل»، وقمت بجولة مشيا على الأقدام فوق التلال المحيطة بنا والتي تغطيها رمال ناعمة وتتناثر فيها أحجار فيما يشبه فضلات الإبل (الدمن)، نحن على حافة قعرة الطبيق، وخلف كتلة التلال الحمراء الصغيرة يقبع عالم الرمال الجرداء يترك أثرا في الروح البشرية.

الطقس غائم وعاصف، والإبل ترعى في الوادي وقد نزعنا أشدتها، وهناك ناقة ترك الشداد جرحا غائرا على ظهرها فأغرى ذلك الغربان التي هاجمتها ونقرت الجرح مما زاده اتساعا، ولعلاج ذلك قام الرجال بعملية كي خلف الأذنين، وعلى الأنف، وعلى الذيل بعصا محروقة، قلت للرجال: إن السماء ملبدة بالغيوم «يجي مطر؟»  فقالوا: الله هو الذي يرسل الخير، ولكن من المرجح أن الأمطار إلى الجنوب منّا.

الثلاثاء 3 فبراير 1914

افترقنا مع عواد اليوم وأعطيته كوفية (شماغ) من الجوخ، وخشيت أنه يعتقد أن ما أعطيته قليل جدا بحقه، واجتزنا قعرة الطبيق (الفيه) إلى خبراء غضي التي تقع في وادي غضي، وتبدأ هذه الأخيرة من خبراء الفيه إلى خبراء المسعود، وتبعد مسيرة ساعة تقريبا عن المكان الذي خيمنا فيه.

وسرنا في هذا الوادي بعد أن كنا قد ملأنا قرب الماء  (السقاء) لدينا، وكنت أسير على أقدامي لمدة 25 دقيقة منذ رحيلنا إلى أن وصلنا جبل وعلة، ورأيت ثنيّة الريلان التي يبدو أنها امتداد للطبيق من جهة الشرق، ويطلق على الجانب الغربي من الطبيق العفر (الأعفر) والجانب الشمالي الشرقي الحمر (الأحمر) أو الأسود، وفي الوسط طور الذي يقع في وادي العسرة حيث لا أحد يقوم بقطع الأشجار لجمع الحطب أو كسر فرع من الشجر ليتخذه عصا. ولكنه يظل مرعى للإبل والأغنام. هناك خبراء كبيرة، وإلى يسار طريقنا من الفيه إلى مغيرا توجد خبراء كبيرة في وادي حصيدة تكون مملوءة بالمياه عند هطول المطر في فصل الشتاء وهي مملوءة تماما الآن، والمخاطر لمن يرتادها ليست كبيرة. هناك أسطورة مشهورة تتناقلها الأفواه حول تل في وسط طور يدعى «تل جدعان»، عندما تهب الرياح تفوح منه رائحة العنبر، وهذه الأساطير مشهورة بين الشرارات، وهذه المنطقة هي ديرتهم الأصلية وكانوا تحت حكم محمد بن رشيد الذي حماهم، ولم يعانوا انقضاض أي أحد على ديرتهم، ولكن بعد وفاته، قد تأتي إليها قبائل الحويطات وقبائل أهل الشمال. وهؤلاء الأخيرون خاضوا معركة حامية الوطيس قبل نحو 4 سنوات بالقرب من تل مقيح قتل خلالها نحو 300 رجل.

ومنذ ذلك الحين تمت المصالحة بينهم وأصبحوا أصدقاء، ويحكي مساعد نوعا من القصص حول الحيوانات مثل: الأسد والنمر وأبو الحصين (الثعلب) وكيف تتشاجر هذه الحيوانات للحصول على قطع من جسم الأرنب.

بدأنا نشاهد «العشب» والأشجار الخضراء اليوم، بعد الخبراء انضم إلينا غادي بن رمال وكان قد مكث مع الحويطات خمس سنوات، والآن يرغب في العودة بقطيع إبله ووالدته وشقيقه وشقيقته إلى قبيلته، وكان بمثابة رفيق وصحبته ذات فائدة مشتركة له ولنا، فهو لحسن حظه، أن الطريق تكتنفه المخاطر ولن يجرؤ أحد أن يسلكه بمفرده.

اليوم كان ماطرا والرياح تهب باردة. قلت لعلي: الناس في بلدي تخشى طقس هذا الصباح. قال: نعم، «عندنا هذا ماكو مثله». تحدثت إلى فتوح عن الإسلام والمسيحية وقال فتوح: إن المسيحية أفضل من الإسلام، لأن المسلمين أعيادهم قليلة، لديهم عيدان فقط، ولا يعرفون توقيتهما بالضبط بل يعتمدون على رؤية هلال الشهر لتحديد ذلك؛ إنهم ليسوا مثلنا حيث لدينا أعياد عديدة ونعرف توقيتها بدقة.

قال لي فلاح: طوبى للرحماء، وكان قد تشاجر مع فتوح الليلة الماضية لأنه أقسم بالله أنه التقط كيسا- كان فتوح اشتراه من دمشق الشام- لينام فيه في الصحراء. قال فتوح: ولماذا القسم بالله؟ ألم يعرف الله ذلك؟ نعم إنه يعرف فلا داعي للقسم، ورأى كل من سعيد وسالم أن القسم لم يكن مستحبا أو ضروريا.

الأربعاء 4 فبراير 1914

هل السرور الذي غمرنا يعود إلى أخذنا الطريق المباشر نحو نجد، أم أن هذه الصحراء القاحلة بلاد مرافقي من الرجال هي التي بعثت السرور في نفوسهم، وبقدر ما بعثته في نفسي أنا أيضا؟ لا أعرف! ولكننا مرتحلون بروح معنوية عالية واطمئنان، وأعتقد أن هذا الشعور يسود في ظل الأمن، وكان من حسن طالعنا أن التقينا في مكان التخييم يوم الاثنين أفرادا من عائلة شمرية مكثوا خمس سنوات في ديرة الحويطات والآن يريدون العودة الى ديرتهم، وقد نما إلى مسامعهم أننا في طريقنا إلى هناك لذا أبدوا لنا رغبتهم في الانضمام إلينا ووافقنا في الحال على ذلك، وكانت الفائدة متبادلة بين الطرفين، فمن ناحية بالنسبة إليهم لن يجرؤوا على اتخاذ هذا الطريق لوحدهم، ومن ناحية أخرى بالنسبة إلينا إذا ما تعرضنا لغزو من شمر فهم الضمانة لنا. نحن في الواقع نمثل قافلة كبيرة: بيتين من الشعر من الشرارات هم وحيواناتهم: (6 رؤوس من الأغنام والماعز) وقطيع من الإبل، ولا أعرف إلى أي مدى سيذهبون.

كان الجو ماطرا يوم أمس إذ كانت تهطل زخات قوية من الأمطار من وقت لآخر خلال معظم ساعات النهار. ارتحلنا جنوبا مباشرة من مخيمنا نحو الخبراء التي تكونت مياهها إثر سقوط الأمطار، حيث ملأنا قربنا من مياه الخبراء، وبعد ذلك تحولنا إلى الشرق إلى وادٍ جاف قليل الانخفاض وفي نهاية المطاف خيّمنا فيه، ولكن الوادي لم يكن خاليا من النبات ففيه: القتاد والنفل والشجيرات الخضراء التي انبثقت من وسط الرمال لتتغذى عليها حيواناتنا، وأخذت الإبل تأكل بشراهة.

أفرح قلوبنا صاحبنا الشمري عندما أخبرنا أن مناطق الرعي التي أمامنا ستكون أفضل وأفضل ونحن نمضي قدما، كانت كلماته لها صدى في نفوسنا، وقد رعت الإبل طوال اليوم ونحن مرتحلون واستمرت في الأكل ليلا حتى التخمة. أعتقد انه لن يكون هناك مجال للجوع على الإطلاق، وكانت أمطار نوفمبر الوفيرة هي التي أحيت الأرض الصحراوية فأهميتها واضحة هنا، والخباري مليئة تماما بالماء- مررنا بخبراء أخرى هذا الصباح وملأنا قربنا– والشجيرات منتشرة على أديم هذه الصحراء. شعرنا براحة واطمئنان كبيرين؛ كان ما لدينا من عليق (علف) لا يكفينا سوى لمدة خمسة أيام فقط، وإذا نفد ما لدينا من عليق ولم نجد للإبل ما تأكله فسنجد أنفسنا نحن والموت جوعا وجها لوجه! وماذا بعد؟ فكرت جديا ليلة البارحة- ونحن في الطبيق- لتفادي تلك المشكلة يجب أن نسلك طريق الجوف لكي نحصل على الطعام للإبل فيه، ومن ثم قررت أن جميع الاحتمالات مفادها عدم الوصول إلى نجد على الإطلاق، وألا مناص من اتخاذ قراري وإن كان محفوفا بالمخاطر، ووقف الحظ إلى جانبي.

هذه هي الصحراء الحقيقية كما تراها في الكتب المصورة، إنها مصنوعة من الحجر الرملي الأحمر حيث ينجم عنه أن تتداخل ألوانها بين الأحمر والذهبي لا شيء غير ذلك، ولكن لا شيء أحيانا تلال رملية نفسها في سلسلة طويلة من تلال معتدلة الارتفاع تذروها الرياح. وفي المنخفض بين هذه التلال توجد ما يطلق عليها النقرة، وتتناثر على سطحها الأحجار، وبفعل عوامل التعرية من الرياح والشمس تتحول هذه الأحجار إلى أشكال غريبة.

وهنا، فعزيزي فصل الربيع أعتقد أنه لا يمانع من قدومه، فالأرض اكتست بحلة قشيبة فالنباتات الشائكة الخضراء تشكل تباينا مقابل ألوان الرمال الذهبية والحمراء، بل إن بعض النباتات ظهرت أزهارها الملونة الجميلة.

وعلى الرغم من أنها شاسعة مترامية الأطراف وخالية تقريبا فإنها مفعمة بالجمال؛ هل أن من أسباب جمالها هو هذا الفضاء والهدوء؟ على أي حال أنا أحب ذلك، وعلى الرغم من أن الإبل تسير بوتيرة بطيئة، وتتناول طعامها حيث ما تذهب، فإنني لا أشعر بنفاد الصبر ولست في عجلة من أمري ولا تحدوني رغبة شديدة للوصول إلى المكان المراد، فلايزال الطقس باردا.

اليوم، وللمرة الأولى منذ صباحات عديدة، كان ميزان الحرارة فوق درجة التجمد عندما تناولت الإفطار- مجرد فوق درجة التجمد قليلا– وكانت تهب رياح عاتية طوال اليوم فتخفف من أشعة الشمس، والنباتات الصحراوية تنثر عطرها مع الرياح، قال علي: «رائحة الريح من العنبر» اليوم، عندما وصلنا إلى المخيم في أرض منبسطة رملية تتناثر بها أكوام من الصخور المكسورة، وجلب لنا مرافقونا المرتحلون من الشرارات حليب الماعز وقت المساء.

وبما أنني قد شربت كثيرا من حليب النوق الذي كان يقدم لي بطاسة خشبية كبيرة في بيت محمد أبو تايه، لذا لم أستسغ حليب الماعز وبدا لي خاليا من النكهة، جاءت إبلنا وقت غروب الشمس فذهبت لاستقبالها وتفقدها.

الخميس 5 فبراير 1914

كان الصقيع يغطي جميع التلال الرملية هذا الصباح، وهذه التلال تكون مرتفعة بشكل واضح من جهة الشرق وفيها نتوءات من الثلوج وتنخفض بشكل حاد من جهة الغرب، عبرنا طعوس النقرة، وهي سلسلة طويلة من الكثبان الرملية، وتتصل على ما يبدو في طعوس السويوينة.

في الساعة 8:15 نرى أمامنا تلال الهاوي التي تفصل بين السويوينة، كنا نسير عبر أرض منبسطة جرداء تماما، وصلنا إلى التلال الساعة 9:30 وظهر أمامنا مباشرة قليب السويوينة فالتقطت له صورة، هنا وجدنا تجمعات مياه الأمطار (خباري) في فيضة كبيرة أرضها منخفضة وصلبة.

في الساعة 11:32 خرجنا من هذه الأرض المنخفضة ورأينا مليح في الجهة الجنوبية الشرقية، وهو يتألف من مجموعة تلال، واستخدمت جهاز الاتجاهات وكان قياسي هنا 135 درجة، وأنا في هذا المكان أخذت جميع  القياسات السابقة لمليح، وفي جهة الشرق تمتد سلسلة طويلة من التلال أخذت قياسها من منتصفها فكانت 126، وأخيرا هناك تل يدعى بارود الملح (119)، وفي وسط هذه التلال يوجد بئر وكذلك هناك بئر أخرى في بارود الملح.

الاثنين 9 فبراير 1914

كان يوم السبت الماضي يوما رائعا مبهجا، أمضيناه عبر أرض معشوشبة كالحدائق الغناء تنتشر فيها الأزهار مختلفة الألوان والشجيرات الخضراء، وفي الليل حين ذهبت إلى خيمتي واضطجعت على سريري، جاء إلينا ضيف من الحويطات، وأفادنا أنه كان خارجا لصيد المها، ويبعد مضرب جماعته مسيرة ساعة أو نحو ذلك، وقد التقينا بهم في اليوم التالي وهم ظاعنون، وشيخهم شاب يدعى محمد وهو حريص جدا على أن نخيم بالقرب من جماعته.

وكان قد أمضى الشتاء مع عرب ولد سليمان من قبيلة عنزة الشهيرة، وأبلغنا أن الشيخ يبعد على مسيرة 5 ساعات إلى الشرق، ونظرا لأنه ربما قد يسمع عن وجودنا أو قد سمع بالفعل، قررنا أنه لا مناص من الذهاب إليه واتخاذ رفيق طريق من قومه؛ ووفقا لذلك لجأنا إلى تغيير مسارنا نحو الشرق، ووصلنا مضربه الساعة الواحدة بعد الظهر تقريبا.

لم يُظْهر نوعا من الود تجاهنا، وبعد احتسائنا أول فنجان من القهوة بدأ باستجوابي: سألني عن مدى معرفتي بهذه البلاد وعن الهدف من قدومي إلى هنا، وبعد أن تناولت التمر في ضيافته ذهبت إلى خيمتي فنهض من مجلسه وتبعني، وشرع في تفحص كل ما عندي من ممتلكات، ومن سوء الحظ أن وقعت عينه على منظار الزايس وأبدى شغفه به على الفور، وطلب أخذ كل شيء شاهده فرفضت طلبه، وبحلول الليل وبعد مشاورات مع مرافقي وافقت على أن أعطيه مسدسا مقابل أن يرسل ابن أخيه معنا كرفيق، ولكنه عاد في صباح اليوم مرة أخرى يطلب المنظار وهددنا إذا لم ننفذ طلبه أنه سيتركنا نذهب دون مرافق من قبيلته وسنكون عرضة لمخاطر الطريق، ولم يقل لي ذلك شخصيا بل أسرّ إلى مرافقيّ فتوح وسعيد، وأضاف أنه لم يحدث أن ارتحلت امرأة مسيحية في هذه البلاد ومن غير المسموح لها الآن أن تقوم بذلك، وأنا لا أعلم ما إذا سيتم وضع هذه التهديدات حيز التنفيذ أم لا، ستظل نوعا من الشكوك لا أحد يجزم بما ستؤول إليه الأمور ولكن يجب أن نبدد هذه الشكوك ما استطعنا إلى ذلك سبيلا، إن مرافقي سعيد يعرف عادات العرب جيدا ويعرف هذا الرجل أيضا، همس بأذن فتوح بأنه من الأفضل أن نعطيه المنظار لئلا يصيبنا الأسوأ، وفي نهاية المطاف تم تجريدنا من المنظار والمسدس.

ولم يكن أصحابنا الشمامرة المرتحلون معنا أفضل حظا منا، فقد تم الطلب منهم دفع ضريبة (خاوة) مرور مقدارها 3 مجيديات، وأثناء المفاوضات التي قام بها رجالي كنت جالسة أراقبهم من بُعدٍ وأنا أرتجف من البرد القارس، وأخيرا أصبحنا أحرارا وأذن لنا في الرحيل، وجدنا أنفسنا مع ثلاثة رفقاء هم: صيّاح ابن أخ زايد، ورجلان من الفقير هما: حامد شقيق الشيخ، وظاهر، ويقال إن الفقير أشد وحشية من ولد سليمان وكنا نخشى أن نعبر ديرتهم دون ضامن يرافقنا من رجالهم، ونخشى أن يُرسل الشيخ أحداً ليسلبنا بعد أن شاهدنا في بيت صياح، ويبدو أننا الآن آمنون تماما– «إن شاء الله!»- ولكن لايزال هناك أسبوع بيننا وبين الوصول إلى نجد وتقلباته البرّية الكثيرة، «خير إن شاء الله!» كانت رحلة اليوم مملّة جدا، لا نشاهد سوى التلال الرملية والصخور اللامعة، إنها أرض خالية من المعالم الأخرى، بدّد رتابتها قليلا مشاهدتنا لآثار مجموعة نعام، ولكن لا يمكن نسيان ذكريات هذا الصباح المثيرة التي عبرت بسلام مما بث السعادة في نفوسنا.

سألت الشيخ محمد بن فندي من الفقير (الفقرا) فيما إذا كان يتذكر خليل الذي حلّ ضيفا على والده، فأجاب: نعم، والله إنه كان رجلا طيبا.

الهوامش

  خليل هو Charles Doughty (تشارلز داوتي 1843- 1926) رحالة ومستكشف إنكليزي قام برحلة إلى الجزيرة العربية عام 1876 وأطلق على نفسه اسم خليل، زار حائل عامي 1877 و1878 إبان حكم الأمير محمد بن رشيد، كان متعاليا فظا ومع ذلك حظي بحماية الأمير محمد.      

[المترجم]

من يوميات الرحالة البريطانية غيرترود بيل قبل قرن من الزمان   (الحلقة 5)

back to top