فاروق الفيشاوي... «برنس السينما المصرية» (8 - 10)

دخل فاروق الفيشاوي إلى المستشفى ثانية ليُعاَلج، وهذه المرة لم يكن دخوله بسبب الإدمان الذي أقلع عنه، وبالفعل تلقى الورود من زملائه في الوسط الفني، ومن بينهم الفنان عادل إمام الذي كان يعرض مسرحيته في مدينة الإسكندرية (شمال شرقي القاهرة)، لكنه أرسل له باقة ورد.

وحكى الفيشاوي، أنه يموت رعباً كلما فكر في ابنه أحمد الذي كان في الثانية عشرة من عمره وقتئذ، وكيف سيواجهه إذا تردد في سمعه أنه عاود السقوط في هاوية الإدمان، وقال حينئذ: «هذا سببٌ كافٍ لأن أموت خوفاً من العودة».

انتشرت الشائعات في تلك المرة، وكان مفادها أن حالة فاروق الفيشاوي النفسية سيئة بسبب انفصاله عن زوجته الفنانة سهير رمزي، لكنه نفى هذه الشائعة، وقال إنهما افترقا بالفعل والطلاق تم بينهما، وكل ما نُشر عن سوء حالته النفسية هي بعيدة عنه تماماً، وعلى الرغم من طلاقهما شاركا معاً في مسرحية «ولاد ريا وسكينة» في الإسكندرية، والعديد من الأفلام السينمائية.

تساؤلات كثيرة دارت حول اعتذار الفنانة سهير رمزي عن «ولاد ريا وسكينة» بعد مشاركتها في المسرحية عدة أسابيع، وحلت مكانها الفنانة معالي زايد، ولكن ظهور رمزي مع زوجها السابق في أفلام سينمائية، قطع الطريق على مروجي الشائعات، وحاول هؤلاء اختلاق قصص وهمية عن عودة الفيشاوي إلى الإدمان، وحينئذ قال: «كيف أقدم ستة أفلام وأقف على خشبة المسرح خلال عام واحد، فعندما كنت أتعاطى الهيروين، توقفت عن العمل تماماً، وهذه مسألة علمية، لأن قدرة الإنسان على التركيز وقتها تكون ضعيفة».

وطاردت الفيشاوي شائعة أخرى، في أثناء تصوير مشاهده في فيلم «القاتلة» عام 1991، سيناريو ماجدة خيرالله، وإخراج إيناس الدغيدي، وشارك في بطولته النجمة فيفي عبده، وإيمان سركيس، وحسن حسني، وتردد حينئذ أنه رفض إكمال تصويره، واتخذ قراراً قاطعاً بألا يتعاون مع منتج الفيلم، ولكن الفيلم خرج إلى النور، وعلقت ملصقاته في واجهات دور العرض، وحقق نجاحاً جماهيرياً، ودارت أحداثه حول «رجاء» التي تعرضت لحادث في طفولتها مما أصابها بعقدة نفسية شديدة، وقررت الانتقام من الرجال.

ممنوع من السفر

اعترضت حياة فاروق الفيشاوي سلسلة من الأزمات، وفي عام 2001، تعرّض لموقف لا يُحسَد عليه في مطار القاهرة الدولي، حين فؤجئ بإلقاء القبض عليه قبل صعوده إلى الطائرة المتجهة إلى البحرين، لتمثيل مصر في مهرجان التلفزيون هناك، وتبين أنه ممنوع من السفر بناء على نحو 15 بلاغاً تقدم بها عدد من الفنانين بصفته رئيساً لمجلس إدارة «شركة الاستثمارات العقارية للفنانين»، يتهمونه فيها بالاستيلاء على مبالغ مالية كبيرة.

واستمرت التحقيقات مدة تجاوزت تسع ساعات، اعترف خلالها أنه وقَّع على بعض الشيكات المحرّرة منه لبعض المبلِغين، بينما أنكر حصوله على مبالغ مالية من عدد آخر، وأبدى استعداده الفوري لرد المبالغ إلى المطالبين بها، ونفى عن نفسه تهمة النصب التي وجهتها إليه النيابة العامة، وأنه لم يمتنع عن رد أي مبالغ طالب بها أصحابها، وأمرت «نيابة العجوزة» في الفاهرة بالإفراج عنه بكفالة قدرها عشرة آلاف جنيه.

وفور عودته إلى منزله، توالت الاتصالات الهاتفية، لكنه كان في حالة نفسية لا تسمح له بالرد على أحد، وتركز اهتمامه في إثبات براءته، ورفض تقديم استقالته من منصبه، والتنصل من المسؤولية، وبعد فترة كشف تفاصيل أكثر بعد انتهاء القضية، وأن الشركة تعرضت للتعثر مثل شركات أخرى، واستطاعت ممارسة نشاطها مرة أخرى.

وفي تعليقه عن تلك القضية، قال وقتذاك: «أنا لا أنهزم بسهولة، وسأكمل العمل للنهاية، خصوصاً أنه كان وصية من صديقي وأستاذي فريد شوقي، فهو كان رئيس مجلس إدارة الشركة قبلي، ولن أهتز من الزوابع، وأن أي شخص يتعرض للخدمة العامة، سيهاجم ويتعرض لأزمات، وهذا أمر طبيعي، ولا يجب أن ينسحب لأنه تعرض لهذا الموقف».

اللص والخادم

استعاد الفيشاوي بريقه الفني، وقدّم خلال عام 1989 المسلسل الكوميدي «رجال في المصيدة» تأليف فيصل ندا، وإخراج حسن الصيفي، ودارت أحداثه في حلقات منفصلة، وشارك في بطولته مع مجموعة كبيرة من النجوم، منهم محمد رضا، وممدوح عبدالعليم، وحسن حسني، وسحر رامي، ورجاء الجداوي، وسلوي خطاب.

وفي العام ذاته، شارك في عدة أفلام، منها «الإرهاب» سيناريو بشير الديك وإخراج نادر جلال، وبطولة النجمة نادية الجندي وصلاح قابيل وأحمد بدير، وتدور أحداثه حول «عمر» الهارب من العدالة، ويحاول إقناع الصحافية «عصمت» ببراءته، بينما يخطط للقيام بعمل إرهابي، وتكتشف خداعه لها، وتتوالى الأحداث.

وفي عام 1990 عاد الفيشاوي إلى نشاطه الزائد المعهود، فشارك في ثمانية أفلام منها «السقوط» للمخرج عادل الأعصر، وتأليف محمد الباسوسي، وبطولة مديحة كامل، وعايدة رياض، ومحمد خيري، ومحمد الشرقاوي، وفؤاد خليل، وتحكي قصته عن «حسن وتوحيدة» اللذين يعملان في مصلحة التليفونات، ومن خلال تصنتهما على المكالمات يكتشفان العديد من الأسرار والجرائم، ويسجلان المكالمات ويهددان بها أصحابها ويبتزانهم، ثم يبلغان عنهم رجال الشرطة ويكسبان من وراء ذلك الكثير. وحين يتزوجان تطلب توحيدة من حسن أن يكف عن التنصت، خصوصا أنها حامل، لكنه لا يستجيب لرجائها، وتأتي النهاية بانكشاف أمرهما.

وفي فيلم «اللص» إخراج سعد عرفة وتأليف عاطف بشاي، شارك الفيشاوي في بطولته مع النجمة نجلاء فتحي، ووحيد سيف، وأمينة رزق، ومحمد توفيق، وراوية سعيد، ولعب شخصية «عمر» لص السيارات، وأثناء سرقته لإحدى السيارات، يعثر على مليون جنيه في حقيبة، وتنقلب حياته رأساً على عقب.

أما فيلم «انفجار» للمخرج سعيد محمد مرزوق، فقد عاد من خلاله الفيشاوي مرة أخرى إلى نوعية الأفلام التي تناقش التطرف والإرهاب، ويلتقي مع النجم عزت العلايلي ومها عوف وخليل مرسي، وفي فيلم «الخادم» للمخرج أحمد يحيى، يقف أمام النجمين الكبيرين وحش الشاشة فريد شوقي وفارس السينما المصرية أحمد مظهر، بالإضافة إلى سهير رمزي وهشام سليم، وتدور أحداث الفيلم حول «شاهين» الذي يورط صديقه «كامل» ويدخله السجن بدلاً منه عقاباً على جريمة لم يقترفها، بعد أن يعده بتربية ابنه «محمود» لكنه يخدعه ليعمل «محمود» لديه خادماً وسائقاً، ويحصل على ليسانس الحقوق، ويكتشف أن «شاهين» هو المجرم الحقيقي، وأن والده بريء، فيقرر الانتقام منه.

موعد مع الرئيس

ويعد فيلم «موعد مع الرئيس» من الأعمال المهمة في رصيد فاروق الفيشاوي، وقام بتأليفه أحمد الخطيب وإخراج محمد راضي، وبطولة إلهام شاهين، وكمال الشناوي، وسعد أردش، وسعيد عبدالغني، والسيد راضي، وييتناول تصدي البرلمانية «ماجدة» لقضية فساد، وبالمصادفة يشاهدها رئيس الجمهورية في أثناء إحدى جلسات مجلس الشعب، فيطلب مقابلتها في مدينة أسوان (أقصى جنوب مصر)، فتقرر الذهاب إليه لتطلعه على المستندات التي تثبت فساد المسؤولين الذين يحاولون إفساد قضيتها وتعطيلها بسرقة المستندات.

كما ظهر الفيشاوي في عدة مسلسلات، تراوحت بين الكوميديا والتراجيديا، ومنها «مخلوق اسمه المرأة» للكاتب نبيل عصمت والمخرج فايز حجاب، وشارك في البطولة شهيرة، وأمينة رزق، وتحية كاريوكا، وبرلنتي عبدالحميد، وحسين الشربيني، ومسلسل «حضرات السادة الكذابين» تأليف فيصل ندا، وإخراج رائد لبيب، وبطولة تيسير فهمي، وسوسن بدر، وليلى جمال، ومحمود القلعاوي، وتدور أحداثه حول المهندس سامي سلامة «فاروق الفيشاوي» شاب مستقيم لا يعرف النفاق أو الكذب، ورغم فقره المادي بسبب راتبه البسيط من عمله كمهندس تراخيص بإحدى الأحياء، فإنه يرفض الرشوة أو المال الحرام مهما كانت احتياجاته، وبسبب صراحته، يجد نفسه في عدة مآزق ويكتشف أن أسهل الطرق للوصول هو النفاق والكذب.

«ديك البرابر» يتنازل عن جائزة أفضل ممثل لنور الشريف

احتفظ الفنان الراحل فاروق الفيشاوي برصيد كبير من حب الجمهور، ورشح للكثير من الجوائز عن أدواره السينمائية، لكنه ظل بعيداً عن كواليس المهرجانات، ولا يسعى لنيل جائزة، رغم تعدد أقنعته، وشغفه الدائم بتجسيد الأدوار المركبة، وظلت منافسته الشريفة لزملائه محل تقدير لموهبته الاستثنائية، كنجم يتخلى عن وسامته ليتقمص شخصيات هامشية، ومنتج مغامر يسعى إلى تحقيق طموحاته الفنية.

وتصادف أن شارك فيلم «ديك البرابر» الذي قام ببطولته مع نبيلة عبيد في مسابقة مهرجان الإسكندرية السينمائي 1992، وفاز الفيشاوي بجائزة أفضل ممثل مناصفة مع زميله النجم نور الشريف، لكن الفيشاوي حين صعد إلى المسرح تنازل عنها كاملة للشريف، لاقتناعه بأنه أحق بالجائزة عن دوره في فيلم «عين الصقر»، في لفتة أشعلت القاعة بالتصفيق، وأظهرت مدى تقديره وحبه لزملائه النجوم.

وخلال رحلة النجمين الراحلين، تقاسما بطولة عدد من الأفلام، منها «الذئاب» 1983، سيناريو يسري الجندي، وإخراج عادل صادق، وشاركهما البطولة النجم الكبير فريد شوقي، وبوسي وشويكار، وفي العام التالي، التقى النجوم الثلاثة في فيلم «عندما يبكي الرجال» للمخرج حسام الدين مصطفى، والأخير تعاون معهما مرة أخرى في فيلم «السكاكيني» 1986.

الفيشاوي يرفض تجسيد شخصية رشدي أباظة

جسد الفنان فاروق الفيشاوي العديد من الشخصيات الشهيرة، ومنها دور الشاعر بيرم التونسي، ولكنه رفض تجسيد شخصية النجم رشدي أباظة في مسلسل «الدونجوان»، ورُشح لهذا الدور لتشابه ملامحه مع نجم الستينيات، وأيضاً لتقارب سيرة حياتهما المليئة بالأحداث والمفارقات وتعدد الزوجات.

وكان الفيشاوي قد رحب بأداء شخصية «الدونجوان»، وبعد أن قرأ السيناريو، اعتذر عن عدم القيام ببطولة هذا المسلسل، لقناعته أن أكثر الفترات ثراء في حياة رشدي أباظة، هي مرحلة الشباب، وأنه لا يصلح لأدائها، لأنه ودّع أدوار الفتى الأول، وبات على مشارف الستين، ولن يكون مقنعاً في أدائه.

وبعد اعتذار الفيشاوي اتجهت الأنظار إلى زميله النجم محمود حميدة، ووافق في البداية على المشروع، ثم تراجع بعد مشكلات مع الورثة، وتحذيرات من المقربين له من مسلسلات السيرة الذاتية التي عادة ما تثير مشكلات، سواء مع النقاد أو ورثة الفنان الراحل. وبعد اعتذار حميدة ظهر ياسر جلال في الصورة، وهو الأقرب شكلاً وموضوعاً من الفنان رشدي أباظة، لكن مشكلته تتلخص في تسويق المسلسل، وهي المشكلة نفسها التي واجهت شركة الإنتاج عندما رشحت أحمد فلوكس للدور، واستقر في النهاية الاختيار على المطرب اللبناني وائل كفوري، لكنه أجّل موافقته أو رفضه حتى الانتهاء من قراءة السيناريو، حيث رشحه للدور مخرج العمل اللبناني أسد فولا دكار.

وأصبح سيناريو مسلسل «الدنجوان» تأليف فكري أباظة، ومجدي الكوتش الذي يتناول قصة حياة الفنان الراحل رشدي أباظة، يبحث عمن يؤدي هذه الشخصية المحورية، خصوصا من يشبه الفنان الراحل.

أحمد الجمَّال