تنافُس على الحدود البحرية اللبنانية بين واشنطن وموسكو

بعد إطلاق شركات ألمانية لمشاريع تتعلق بإعادة إعمار مرفأ بيروت، تحوَّل الحديث في لبنان من «حرب المرافئ» إلى صراع الحدود البحرية، مطلقاً «موجة» تجاذبات حول ترسيم الحدود البحرية جنوباً وشمالاً.

وإذا كان الصراع الدولي في الحرب العالمية الأولى تمحوّر حول منابع النفط، فما يشهده العالم حالياً هو صراع على المنابع والمعابر والممرات، ولبنان كغيره من الدول جزء من هذا المشهد الدولي.

ويشهد لبنان منذ مدة تباينات بين القوى المختلفة حول كيفية التعامل مع ملف ترسيم حدوده البحرية مع إسرائيل، الذي تلعب واشنطن فيه دور الوساطة، لكن منذ أيام قليلة برزت مشكلة جديدة عنوانها ترسيم الحدود البحرية الشمالية مع سورية.

وإزاء هذين الملفين اللذين سيكونان في الصدارة في المستقبل القريب، بسبب طابعهما الاستراتيجي، ينقسم اللبنانيون بين من يطالب بضرورة الإسراع بفرض الشروط على إسرائيل ورفع مرسوم إلى الأمم المتحدة لتحديد المساحة اللبنانية المثبتة بالخرائط والوثائق، وقسم آخر يريد الدفع باتجاه الترسيم مع سورية.

الوفد العسكري والتقني، الذي شكل للتفاوض مع إسرائيل، بوساطة أميركية ورعاية الأمم المتحدة، سيكون هو نفسه الذي سيفاوض السوريين. وبحسب ما تشير مصادر الوفد اللبناني، فإن الجانب اللبناني «مسلح» بالوثائق والخرائط اللازمة، التي تخدم مصالح لبنان في المنطقتين، وقد أُعدت دراسات كافية، تسمح للمفاوضين بالمطالبة بضرورة الإسراع في الذهاب إلى تثبيت حقوق لبنان، والتفاوض على هذا الأساس.

ومعلوم أنه منذ فترة يجهد الوفد المفاوض ليضغط على الحكومة اللبنانية لتعديل المرسوم رقم 6433، الذي أقر في عام 2011، وتسجيل تعديله لدى الأمم المتحدة، بشكل يظهر أن مساحة لبنان البحرية تصل إلى 2290 كم مربعاً، لا 860 كم فقط.

وعندما طرح الوفد هذه النقطة في ثاني جلسة تفاوض مع الإسرائيليين، رفض الأميركيون ذلك، وطالبوا بالعودة إلى التفاهم على الـ 860، لكن الوفد اللبناني أصر على موقفه في الجلستين الأخيرتين، مما أدى إلى تعليق المفاوضات.

وخلال الأيام المقبلة، يفترض أن يصل إلى بيروت مساعد وزير الخارجية الأميركية ديفيد هيل، الذي يتولى ملف الترسيم منذ انطلاق المفاوضات في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وذلك للبحث في الترسيم، وكذلك بموضوع تشكيل الحكومة والإصلاحات الاقتصادية.

وينتظر اللبنانيون بترقب واهتمام زيارة هيل، التي تعتبر الأولى لمسؤول أميركي بهذا المستوى إلى بيروت منذ تولي الرئيس جو بايدن السلطة، في محاولة لفهم سياسة الإدارة الجديدة تجاه لبنان.

وكانت واشنطن رفضت سابقاً أن يذهب باتجاه خطوات تصعيدية في المفاوضات مع تل أبيب، وكانت تهدد بفرض عقوبات، وزيارة هيل ستكون حاسمة لمعرفة إذا ما كان الموقف الأميركي لايزال نفسه أم قد تغير.

في الأثناء يواصل الوفد اللبناني المفاوض الضغط على الحكومة لإقرار تعديل المرسوم، ويعتبر أن هناك 4 إيجابيات من ذلك، هي: أولاً إحراج الإسرائيليين، وثانياً منع شركات التنقيب من الاستمرار في عملها بإسرائيل، وثالثاً حماية حقول لبنان النفطية والغازية في البحر، ورابعاً دفع أميركا وإسرائيل للعودة إلى المفاوضات سريعاً.

ومن المفترض أن تحسم السلطات اللبنانية مسألة تعديل المرسوم، في الأيام القليلة المقبلة، وسط توقعات بإمكانية تمريره.

أما شمالاً، على الحدود اللبنانية-السورية، فإن المشكلة تبدو أكبر على ما يبدو، في ظل الانقسام السياسي وآلية البحث في هذا الملف، خاصة أن الجانب اللبناني يعتبر أن الحكومة السورية لن تكون إيجابية حيال التفاوض.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو عن توقيت إلزام دمشق شركة روسية بعمليات التنقيب في تلك المنطقة المتداخلة بين لبنان وسورية؟ الجواب واضح، أنه في ظل التنافس الأميركي- الروسي المستجد في عهد بايدن، تسعى روسيا إلى تسجيل المزيد من النقاط في مواجهة الأميركيين، ولذلك هي تحاول أن تدخل إلى العمق اللبناني سياسياً واستراتيجياً من بوابة التنقيب عن الغاز، ومعروف أن روسيا فازت قبل سنوات بمناقصة إصلاح خزانات النفط في طرابلس، كما أن شركة «روسنفت» الروسية فازت بمناقصة للتنقيب عن النفط في لبنان.

إنها صفحات جديدة ذات بعد استراتيجي، ستكون بانتظار لبنان وتطوراته بالمرحلة المقبلة، وهي لا تنفصل عن كل ما يجري في المنطقة، وأبعادها تتجاوز المشاكل التفصيلية اليومية حول تشكيل الحكومة أو غيرها.

بيروت- منير الربيع