الأغلبية الصامتة: صامت إلى حين

  • 10-10-2019

الاعتدال أمر صحي في كل شيء، وخصوصا في الأمور التي يمكن السيطرة عليها مثل الطعام وشراء الأشياء غير الضرورية، ولكن كيف يمكن الاعتدال في العمل السياسي عندما تتقاطع أو تتضارب فيه المصالح والطموحات البعيدة؟ وكيف يمكن التحكم في ردود الأفعال وتفسيرات الناس للأحداث ومن يغرق الساحة بالأخبار المثيرة؟

العمل السياسي بطبيعته متقلب، مراوغ، نادر الثبات على حالة معينة، وعندما يتم التحكم كما يحصل في المختبرات فذلك يعني أننا نعيش في وهم الديمقراطية ونظام شمولي يرتدي ثوبها الذي (يخب) عليها، أقول ما سبق لأني وجدت أن أحوالنا منقسمة بين مشهدين ومرحلتين لا ثالث لهما: إما التفاعل السريع المصحوب بالتهور كما حصل مع مرحلة الحراك، وإما الموت السريري لكل مكونات المشهد السياسي كما هو حاصل في المرحلة التي أعقبتها.

هذا الوضع المتناقض لا ينبع من الفراغ، بل يأتي من صميم ثقافتنا المنقسمة بين موروثات ماضوية تحرك الحاضر وتتجرأ على رسم المستقبل، وبين ثقافة عصرية منفتحة يتهددها التآكل، يضاف إليها حالة متشعبة من الانقسام بين مكونات شعب لم يصل تعداده إلى المليون ونصف المليون نسمة، وتبدلات جذرية في آلية الإدارة العامة وتسيير أمور الدولة.

لقد حصل كل شيء، من المراوحة بين النشاط والحيوية داخل مجلس الأمة وخارجه إلى الصمت المطبق داخله وخارجه، خلال فترة زمنية قصيرة تميزت بتوافر وانتشار وسائل التوثيق الرقمي، الأمر الذي سهل صناعة المقاطع التي تحكي قصة انقلاب فلان على نفسه وانتقاله من هذا المعسكر إلى ذلك حسب المصالح التي تحركه أو الضغوط التي جعلته يبدل جلده عدة مرات.

إذاً ماذا لو طرحنا هذا السؤال؟ هل نحن نعيش بين خيارين إما الحركة المتهورة أو التجمد؟ إنني لا أشك أن الأولى سهلت وجود الثانية، ولكن كان بالإمكان مواجهة المد السياسي من القوى الفاعلة داخل مجلس الأمة وخارجه بفريق حكومي وأداء أفضل مما كان موجوداً في حينها، بدلا من اللجوء إلى الحلول الأمنية وتحطيم أرضية العملية الانتخابية، في المقابل هذا الوضع الذي يبدو ظاهريا أكثر هدوءا استنفد كل الشعارات التي مهدت له، وكرس العمل الفردي داخل المؤسسة البرلمانية، وأضعف مستوى التشريع والممارسة السياسية، وعزّز الخطابات الفئوية التي أصبحت هي الوسيلة الممكنة للوصول إلى البرلمان على حساب الخطاب الوطني الجامع.

في الختام، لا أعتقد أن تحقيق الاعتدال في العمل السياسي أمر مستحيل، ولكن المشكلة تكمن في قناعة جميع الأطراف، وخصوصاً الطرف الأقوى الذي يملك المال والقرار بالديمقراطية نفسها، لأن من سبقونا كانوا غارقين في بحور من الدماء والخراب حتى قادتهم تجاربهم إلى الامتثال إلى الدساتير والقوانين التي نظمت حياتهم وممارساتهم وحتى صراعاتهم، الوضع لدينا اليوم صامت وخامد بطريقة غير طبيعية، لكنه في الغد سيعود إلى الحركة بطريقة غير طبيعية أيضا.