هل تتجه الكويت دون وعي لخفض قيمة الدينار؟!

مضى أكثر من أسبوع على إعلان وزير المالية الأسبق بدر الحميضي ما يتعلق بوجود تراجع حاد في حجم الاحتياطي العام للدولة من 21 مليار دينار إلى 7 مليارات، دون توضيح رسمي لمدى دقة هذه المعلومة أو عدم صوابها، من شخص تولى إدارة ملف المالية العامة للدولة، سنوات، مما يجعلها ـــ أي المعلومة ـــ تحظى بنسبة مصداقية معينة، بحيث لا يجوز تجاوزها وكأنها من أحاديث «الدواوين».

ومع أن الحاجة إلى تأكيد معلومة الحميضي ضرورية، فإنها في كل الأحوال لن تلغي القناعة المؤكدة، حتى عند وزير المالية الحالي وسابقيه، بانحراف أوضاع المالية العامة في الكويت، وتحديداً الاحتياطي العام للدولة، الذي انحدر بين عامي 2013 و2018 من 60 مليار دينار إلى 24 ملياراً، بالاتساق مع نمو الميزانيات المتتالية، خلال السنوات ذاتها، من 19.4 ملياراً في «سنوات الفوائض» إلى 22.5 ملياراً في «سنوات العجز المالي»، فضلاً عن المصروفات من خارج الميزانية سنوياً بحدود 6 إلى 7 مليارات دينار، لتغطية النفقات العسكرية والتزامات الدولة في رساميل شركات حكومية أو هيئات محلية أو دولية ومؤسسة الرعاية السكنية وبنك الائتمان وصندوق الأسرة، والعجز الاكتواري للتأمينات الاجتماعية، وهذه كلها مصروفات مستقطعة من «اللحم الحي»، أي الاحتياطي العام، ولا تظهر في أبواب الميزانية العامة، مما يعني أن ميزانية دولة الكويت لا تعبر عن حقيقة ما ينفق فعلياً، ربما بنحو 30 في المئة من إجمالي الإنفاق.

رفع المخاطر

هذه التحديات الجوهرية، من انفلات في المصروفات واستهلاك للاحتياطيات لتغطية العجوزات المالية، لا تجد لدى الإدارة المالية للدولة سوى حل واحد، وهو اللجوء إلى سوق الديون عبر قانون جديد يستهدف السماح للحكومة برفع سقف الديون السيادية إلى 25 مليار دينار، ومد فترة الاقتراض إلى 30 عاماً، وهو أمر يرفع درجة المخاطر الاقتصادية المستقبلية على الكويت في المدى المتوسط، فالديون بحد ذاتها تعتبر خيارا تمويليا جيدا لكثير من الدول، متى ما توافرت الحصافة في إدارتها لتنمية الاقتصاد من خلال الاستثمار وفرص العمل وغيرهما، لكنها في الكويت ستوجه -حسب إعلانات رسمية- نحو تمويل مصروفات الميزانية، وبالتالي الانفاق الجاري «الاستهلاكي»، وسط توقع دخول نحو 400 ألف شخص الى سوق العمل، خلال 10 سنوات مقبلة، مما قد يرفع قيمة باب الرواتب الحالية في الميزانية من 12 مليار دينار إلى نحو 24 ملياراً، بما يتجاوز ميزانية الدولة الحالية بجميع أبوابها بـ 1.5 مليار دينار، وهو ما سيعكس فشل الدولة في توفير فرص عمل للشباب خارج نطاق القطاع العام.

الاسوأ بالنسبة إلى الاستدانة، هو أن أي دين سيادي للكويت مضمون بارتفاع أسعار النفط العالمية، وهو أمر لا يستطيع أحد ضمانه على المدى القصير، وسط عالم متغير في نظرته للطاقة وتحدياتها، خصوصاً في ظل تنامي الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين وأثرها على النمو الاقتصادي العالمي وطلبيات وإنتاج المصانع، وبالتالي الأثر السلبي على استهلاك النفط، وهنا نتحدث عن أن أي هزة متوسطة لأسعار النفط سينتج عنها آثار أكثر سلبية على إيرادات دولة مثل الكويت يتركز جل ايراداتها السنوية على النفط.

طوعي وقسري

ليس من قبيل التشاؤم إبداء المخاوف، في ظل التحديات آنفة الذكر حول الأثر على «الدينار الكويتي»، واحتمال تخفيض قيمته، فالدول تخفض قيمة عملتها بناء على خيارين؛ أولهما طوعي لتخفيف العجز التجاري وخفض الاستيراد وتحفيز الطلب على المنتجات المحلية، وبالتالي تحريك عجلة النمو الاقتصادي، وهو أمر

لا ينطبق على الكويت، وثانيهما قسري بناء على تحديات اقتصادية كبيرة تخفض فيها قيمة العملة لتضخم إنفاق مصروفاتها بشكل حاد، بما يقابله من إيرادات عامة «نفطية مثلاً» محدودة، أو لعجز الدولة عن تغطية ما يقابل عملتها من ذهب وعملات أجنبية لدى صندوق النقد الدولي، وبالتالي تضطر إلى خفض قيمة العملة لمواجهة وضع اقتصادي صعب على المدى الطويل.

سياسة منفلتة

الاحتمال القسري قد ينطبق على الكويت، إن استمرت في سياستها المالية المنفلتة بسحب الاحتياطيات وتضخم المصروفات واللجوء الى الاستدانة لتغطية نفقات استهلاكية، مع مصاعب تتعلق بالطلب على النفط وأسعاره أو تحديات أخرى تتمثل بتنامي الموجات البيئية في العالم، أو حتى تهديدات أقطاب في الكونغرس بإقرار قانون «نوبك»، الذي يصنف «أوبك» كمنظمة احتكارية، مع الاخذ بعين الاعتبار أن الثروة النفطية لا يمكن أن تحمي أي عملة من مخاطر الخفض القسري، ولنا في «فنزويلا» الثرية بالنفط مثال واضح في متواليات خفض العملة «البوليفار»، لتدارك الأوضاع الاقتصادية الصعبة.

ويعتبر خفض العملة قسرياً منزلقاً أكثر من كونه حلا، ففنزويلا اضطرت إلى خفض قيمة عملتها نحو 10 مرات خلال 13 عاما بـ3000 في المئة، مقارنة بعام 2005، فضلاً عن التضخم الجامع، الذي يوازي أرقاما فلكية يصعب قياسها عالمياً -يقال أحيانا إن التضخم بلغ في فنزويلا «مليون في المئة»- ومع أن الاوضاع في فنزويلا تمثل انهيارا تاما فإن ما يحمي الكويت مقارنة بها هو وجود الاحتياطيات المالية، التي تمثل وسادة أمان على المدى البعيد، والقلق هنا يتمثل في تقليل متانة هذه الوسادة كالاحتياطي العام المعلن للعامة، أو أداء احتياطي الاجيال ذي البيانات السرية.

قفزات في التضخم

خفض قيمة الدينار على دولة مثل الكويت سيكون قاسياً على الاقتصاد والمجتمع، فمن ناحية سيعني تراجعاً في القيمة الحقيقية للدخل، ومن ناحية أخرى سيدعم حدوث قفزات في التضخم، والأكثر سوءا من هذا كله أنه سيدخل المالية العامة في حلقة لا تنتهي من رفع البند الأكبر في الميزانية «الرواتب» لتعويض أثر خفض العملة على الموظفين، والعودة مجددا لخفض القيمة لمواجهة نمو المصروفات، ثم العودة مرة أخرى لتعويض الأثر على الموظفين... وهكذا بلا نهاية.

لا نزال في الكويت بعيدين، على الأقل في المدى القصير، عن الحديث فيما يتعلق بخفض قيمة الدينار، لكن الخطر كله في السير باتجاه هذا الخفض دون وعي، فما يحدث في أوضاع المالية العامة كأن هناك جهة تريد الشر بالكويت تتولى الصرف من الميزانية وخارجها واحتياطياتها، وتدفعها للاستدانة لبلوغ هدف هو بلا شك ليس من مصلحة أحد.