انهيار دكتاتورية الكمّ

  • 20-08-2019

الحركة الكمية غالباً تحمل في جيناتها إمكانية التغيير، ربما يكون هذا التغير بطيئاً، لأنه يعتمد على التراكمية، ولعمل حالة من التراكم نحتاج إلى كثير من الوقت لتغيير ما هو سائد.

فغالباً فكرة صغيرة مبدعة تخترق حالة الكم السائد، فلا تلقى رواجاً وتُوأد في مكانها، ويأتي من يستثمرها بعد عشرات وربما مئات السنين، وهذا ما لاحظناه في أهم الأفكار والكتب والموسيقات التي لم تستقبلها الجماهير في وقتها، ولاقت الرفض والتنكر وحتى الحرق، نجدها اليوم من أهم الأفكار وأهم الكتب وأهم الموسيقات حول العالم، لكنّ هناك فرقا شاسعا بين الأمس واليوم.

وهذا الفرق يقع في صف الكيف لا الكم، أي في صف الفرد لا الجماهير، أي في صف الإبداع لا الجمود، وهذا الفرق يمكن اختصاره بكلمة واحدة هي "الوقت".

فالسرعة التي يتحرك بها العالم ووسائل التواصل الاجتماعي لم تعد بالسرعة ذاتها التي كان يتحرك بها العالم في السابق، مما يزيد من تراكم الأفكار بشكل أسرع.

والأفكار الحالية التي يغلب عليها السطحية تبخرها سريع، أما الأفكار الأصيلة فغالباً ما تبقى راسخة إلى أمد طويل، لذلك الزمن يلعب لمصلحة الكيف، والسرعة المتزايدة هي ذاتها من ستنقذ العالم وتطلقه إلى الأفكار الأصيلة والأكثر إبداعاً، إن كانت في السابق تستغرق عشرات السنين، فاليوم صارت هذه السنين شهوراً وربما أقل، بسبب السرعة التي يتحرك بها العالم، لذلك ستكون السرعة التي استخدمها الكم للسيطرة على الكيف، عن طريق فرض حالة من السطحية، هي نفسها من ستنقذ الكيف من دكتاتورية الكم الحالية.

ومن الأمور الفارقة أيضاً سهولة الوصول إلى أصحاب الأفكار الإبداعية الأصيلة المتشابهة في وسائل التواصل الاجتماعي، مما يسمح ببناء كيانات مبدعة، تخلق عالمها الخاص، وهذا ما شهدناه في الكويت خلال السنوات الماضية من إنشاء بعض الكيانات والمنصات الإبداعية الشبابية التي انطلقت من وسائل التواصل الاجتماعي، وهذه الحالة لا تقتصر على الكويت فقط، فهناك على امتداد العالم حركات جدية قائمة على أسس الفكر الإبداعي المعتمد على الكيف، والخارجة عن مفهوم السوق والرأسمالية المتوحشة التي حوَّلت كل القيم إلى مجرد أرقام.

فالقدرة على التواصل والسرعة آليتان مهمتان في كسر دكتاتورية الكم المسيطرة على وسائل التواصل الاجتماعي والمسيطرة على العالم بأسره، وهما ذاتهما اللذان سيبدآن عصراً جديداً قائما على الوعي.

(نهاية سلسلة مقالات دكتاتورية الكم).