دروس مستخلصة من الحرب الباردة في عهد ريغان

  • 06-08-2019

في السنوات الأخيرة، عمدت موسكو إلى استفزاز الغرب بطرقٍ متعددة، بدءاً من غزو أوكرانيا وضم شبه جزيرة القرم عام 2014، ثم أسقطت القوات التي يقودها الروس في أوكرانيا رحلة للخطوط الجوية الماليزية، مما أسفر عن مقتل 298 مواطناً معظمهم من الجنسية الهولندية، وتابعت الحرب المتصاعدة في شرق أوكرانيا إضعاف الأمن الأوروبي. خلال السنة نفسها، اتهمت واشنطن روسيا ببناء صواريخ جديدة بما ينتهك بنود «معاهدة القوات النووية المتوسطة المدى» عام 1987، وفي عام 2015، أرسلت موسكو قوة جوية لدعم نظام بشار الأسد الوحشي في سورية.

ثم حصل ما سمّاه تقرير مولر تدخلاً «جارفاً ومنهجياً» في الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2016، ثم في 2017، أنكرت روسيا إقدام نظام الأسد على إطلاق هجوم قاتل بالأسلحة الكيماوية في سورية، وفي السنة الماضية، استعمل عملاء الكرملين عنصراً محظوراً في الأسلحة الكيماوية لتسميم الجاسوس السابق سيرغي سكريبال في بريطانيا. اليوم، تثير موسكو حفيظة الغرب وعدد من دول أميركا اللاتينية بسبب دعمها لنظام نيكولاس مادورو الكارثي في فنزويلا.

رداً على هذه الأفعال، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على الكيانات الروسية، وحشد حلف «الناتو» قواته، وزاد الغرب مساعداته العسكرية والاقتصادية لصالح أوكرانيا. أدت هذه الخطوات كلها إلى زيادة الكلفة التي تتكبدها روسيا مقابل سلوكياتها الشائبة، حتى أنها ردعت على الأرجح جزءاً إضافياً من نشاطاتها المؤذية، لكنها لم تُجبِر روسيا في المقابل على الانسحاب الكامل من النشاطات الآنف ذكرها.

تشبه عدائية الكرملين هذه ما حصل خلال أول ولاية من عهد ريغان، إذ سعى الاتحاد السوفياتي حينئذ إلى إخضاع أفغانستان، وهدّد أوروبا واليابان بصواريخ «إس إس- 20» الجديدة، وأسقط رحلة الخطوط الجوية الكورية رقم 007، وأجبر بولندا على إلغاء اتحاد «التضامن» عبر فرض قانون عسكري.

تزامناً مع وفاة ثلاثة قادة سوفياتيين مسنّين وصارمين بشكلٍ متلاحق، تجنب ريغان عقد أي اجتماعات خلال قمم دولية مع موسكو، لأن اللقاءات مع الكرملين الذي يبالغ في تقدير القوة السوفياتية ويستخف بالإرادة الغربية ما كانت لتعطي أي نتائج ملموسة. في المقابل، لجأ ريغان إلى فرض الضغوط، وبالتعاون مع الحلفاء، ساعد الثوار الأفغان واتحاد «التضامن» في بولندا، وشارك في حشد قوات عسكرية كبرى، وفضح التضليل السوفياتي.

مهّدت هذه الخطوات كلها للإنجازات التي حققها ريغان خلال ولايته الثانية، علماً أن معظم الناس يتذكرون هذه المرحلة من عهده بشكل خاص.

وحين وصل الزعيم السوفياتي الإصلاحي ميخائيل غورباتشوف إلى السلطة في عام 1985، كان يتوق إلى إنهاض الاقتصاد السوفياتي المنهار من خلال تخفيف التوتر السائد مع الغرب وتقليص الإنفاق العسكري.

بدأ الرئيسان بإطلاق مبادرات متواضعة عبر توثيق العلاقات بين الشعبَين والقنصليات، ثم تحسّنت العلاقات بدرجة إضافية عبر التفاوض حول «معاهدة القوات النووية المتوسطة المدى» التاريخية، أول اتفاق يلغي فئة كاملة من الأسلحة النووية، وكانت هذه الخطوات كفيلة ببناء الثقة وترسيخ التعاون بين الطرفين، مما سمح لهما لاحقاً بالتعاون لإعادة توحيد ألمانيا والتعبير عن إدانة مشتركة للغزو العراقي للكويت في عام 1990.

كما حصل في بداية الثمانينيات، تواجه الولايات المتحدة والغرب اليوم الكرملين الذي يُركّز على التدخل العسكري والتصادم السياسي ويعاني ركودا اقتصاديا. يستعمل الكرملين حملات دعائية صاخبة وتكتيك التخويف لدعم موقفه الصارم من الغرب، وفي خطاب ألقاه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مارس 2018 مثلاً، عرض فيديو لمحاكاة ضربة نووية على فلوريدا.

يتكلم منتقدو الرئيس ترامب عن تخبّط دبلوماسي واضح، لا سيما رفضه مواجهة بوتين حول تدخل بلده في انتخابات عام 2016، مما سمح باستمرار العدائية الروسية على الساحة الدولية، لكن أي رئيس أميركي كان سيجد صعوبة في إحراز تقدم بارز مع هذه النسخة المتطرفة من الكرملين.

بعيداً عن علاقة ترامب «الممتازة» مع بوتين، يتكل الغرب مجدداً على القوة بدل التسوية للتعامل مع الكرملين، وبالإضافة إلى العقوبات وتوسيع حضور حلف «الناتو»، يعمل الغرب أيضاً على زيادة قدرته على صدّ التدخلات الإلكترونية والانتخابية، ويتعاون مع بلدان في الأميركيتَين سعياً إلى إعادة إرساء الديمقراطية في فنزويلا.

يمكن أن تستعد واشنطن لتوسيع انفتاحها الدبلوماسي مستقبلاً، كما فعل ريغان تمهيداً للمفاوضات التي أنتجت «معاهدة القوات النووية المتوسطة المدى»، لكن قد لا تتحقق أي إنجازات حقيقية قبل أن يُخفف الكرملين عدائيته تجاه البلدان الخارجية ويُركّز على تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية محلياً.

كما حصل في السنوات الأولى من عهد ريغان، ربما تسمح الظروف الراهنة بالتصدي للسلوكيات الشائبة، إلى أن تنجح المساعي الدبلوماسية في كسب أرباح إضافية، وفي غضون ذلك، يمكن أن تُمهّد الروابط المتزايدة بين الشعوب والتفاعلات العلمية والتجارية بين البلدين لتحسين العلاقات مستقبلاً.

* ويليام كورتني

* «ريل كلير»