وجهة نظر : دمج عمليات الخفجي!

  • 18-06-2019

أطلعتنا جريدة الأنباء في 26 مايو الماضي، نقلا عن مصادر مسؤولة، بشأن مشروع دمج عمليات الخفجي البحرية إلى شركة البترول العالمية مع نهاية ديسمبر المقبل، لتكون نموذجاً لعملية دمج كبرى لشركات المؤسسة الى 4 كيانات كبرى في نهاية 2020.

وقد كتبنا مسبقا في "الجريدة" بتاريخ 18 أبريل 2018 نقدا حول مشروع دمج شركات مؤسسة البترول الكويتية، حيث فصلنا بأن عمليات دمج شركات النفط من المشاريع ذات جدوى للشركات العالمية "الخاصة"، وليست مجدية - بالضرورة - لمؤسسة البترول "الحكومية".

الجديد في الموضوع أنه، وفق المصادر، سيبدأ مشروع دمج الشركات بشركة تحوم حولها حساسية جيوسياسية شديدة، وهي شركة نفط الخليج التي تشغّل عمليات حقول "الوفرة" و"الخفجي" في المنطقة المقسومة بين الكويت والسعودية.

وبتحليل المشروع اقتصاديا، لنرى ماذا لدينا من مخزونات نفطية في المنطقتين البرية والبحرية، نجد أن للكويت مخزونات نفطية تقدر بالمليارات، أي نحو 100 مليار برميل لم تطور منها آبار وبنية تحتية إلا لإنتاج 35 في المئة من هذا المخزون، أي لإنتاج 2.8 مليون برميل/ يوم، بقدرة إنتاجية تقدر بـ 3.2 ملايين برميل يومياً من النفط المكافئ.

وتشير المسوحات الجيوفيزيائية إلى أن الموجود في المنطقة المقسومة يتراوح بين 10 و15 مليار برميل مكافئ. والبنية التحتية في المنطقتين مصممة حاليا لإنتاج 30 في المئة من هذا المخزون، بنسبة وتناسب للمخزونات بين البر والبحر، حيث إن المخزون البحري يقدر بأكثر من ضعف المخزون البري.

فنيًّا، يمكن القول بأن تأخر تطوير حقول نفط المنطقة المقسومة هو للعامل الجيوسياسي فقط! فهناك مخزونات في ثلاثة حقول بحرية معطلة لم تمسّ، إضافة الى المكامن العميقة، وهناك أيضا عميق المكامن البرية التي لم تمس أيضا. كما أشرنا إلى أن المخزونات البحرية تقدر بأكثر من ضعف المخزونات البرية، وهذا حسب مؤشرات المسوحات الزلزالية ثلاثية الأبعاد، على 2500 كيلومتر مربع، التي أجريت في 2017.

كانت هناك عدة محاولات لتحريك عمليات المنطقة المقسومة التي توقفت منذ عام 2014 آخرها كانت بعد زيارة ولي العهد السعودي للكويت قبل نحو عام، وقد سربت بعدها معلومات عن مشروع اتفاقية من 10 بنود، كانت غير منصفة للكويت، وقد علّقنا عليها فنيا واقتصاديا في حينها. وفي اعتقادي أن دمج عمليات الخفجي البحرية مع شركة البترول العالمية يغلب عليه البُعد السياسي أكثر من الفني، كما أشار رئيس المؤسسة السابق لهذا الموضوع.

وبغضّ النظر عن البعد السياسي، لننظر من الناحية الاقتصادية جدوى دمج عمليات الخفجي الى شركة البترول العالمية وتبعات ذلك، رغم قصر المدة المتبقية لمستشار عالمي يجهز التنظيم الهيكلي للدمج، وحصول موافقة المجلس الأعلى للبترول، وربما مجلس الأمة، ويطبق في نهاية ديسمبر المقبل.

وشركة البترول العالمية، التي أسست عام 1983، بها 3600 موظف مهني و4000 مركز خدمة سيارات، وغيرها من الخدمات في أوروبا، وتسوق 450 ألف برميل نفط يوميا بين خام وبيتومين ووقود ومشتقات أخرى.

كانت للشركة مصافٍ، بقيت مصفاتان في إنجلترا وإيطاليا، وأضيف اليهما مشروع مصفاة فيتنام، أضف الى ذلك مركز أبحاث كبير في هولندا. ولمّا كانت الشركة العالمية مملوكة بالكامل لمؤسسة البترول، فقد كان المؤمل والمفترض في هذه الشركة تكون نافذة مضمونة لتسويق وتكرير للنفط الخام الكويتي!

نجد أن واقع شركة البترول العالمية يختلف عن ظاهرها الكبير، فالخسائر المتراكمة منذ 2012 من فوائد ديون الى بيع مصفاة بريطانيا بقيمة 230 مليون يورو بعد أن وصل سعرها مليار يورو، فكانت الخسائر 800 مليون دولار، وذلك بقرار سياسي غريب، أضف الى ذلك تأخر تنفيذ مصفاة فيتنام عثراته الفنية المتكررة وزيادة الكلفة. كل هذا يجعلنا نشك بشكل كبير في مهنية شركة البترول العالمية، الخاسرة

والمتعثرة في امتلاك وتشغيل مخزون نفطي عملاق يقارب الـ 15 مليار برميل نفط.

من ناحية أخرى، فإن عملية دمج شركات مؤسسة البترول، كما صرحت، هي لتحقيق الامتيازات والإنجازات التالية: مرونة العمل وسرعة اتخاذ القرارات، والقضاء على البيروقراطية، والتخلص من النشاطات غير المجدية، ومنافسة مع الشركات العالمية، والدخول في اتحادات لكيانات عالمية، والتطوير لخفض التكاليف! ومقارنة مع استراتيجيات اندماج الشركات العالمية التي عادة ما تكون لتنويع المنتج وزيادته، وتعويض خسائر الشركات الضعيفة، وزيادة أصول الشركة المدمجة، وزيادة نفوذها العالمي، وهو ضمان تسويقي مؤثر في الأسواق العالمية، وتجانس تشغيلي لتقليص التكاليف العامة والإدارية، وبذلك يزداد الهامش الربحي، وأخيرا الاستعانة بخبرات العاملين.

وبتطبيق استراتيجية دمج شركات النفط، من منظور المؤسسة والمنظور العالمي، نلحظ أنه لا جدوى حقيقية في مشروع الدمج الحالية لتحقيق الأهداف التي وضعتها المؤسسة، بل إضافة تعقيد مكلف، حيث إن هناك تبعات مقلقة مصاحبة لعملية دمج عمليات الخفجي لشركة البترول العالمي، ومنها:

1. أداء شركة البترول العالمية الذي يفترض أن يكون جيدا في فترة انتعاش النفط الخام منذ تأسيس الشركة 1983 هذا الأداء نجده أقل من المقبول، إن لم يكن سيئا، ومقلق لضمان أدائه لمخزون عملاق يحوي تعقيدات فنية وسياسية.

2. إن ضم مخزونات نفطية عملاقة الى شركه تحوي نشاطا دوليا، لم تثبت جدارتها المهنية، فيه أيضا من المخاطر القانونية، حيث قد "يحجر" عليها لأي زلة في التزاماتها، حتى وإن سجلت الشركة الجديدة بانفصال عن الشركات الزميلة لها!

3. ضعف الرقابة المهنية "الحوكمة" يجعل النشاط في المشاريع الدولية مغيّبا عن رقابة المواطن ومجلس الأمة عادة، إلا من بعد أن تحدث الكوارث، خسارة بيع مصفاة بريطانيا مثال!

4. الإدارة القيادية التي كانت تخطط وتدير مشاريع البر والبحر للمنطقة المقسومة ستصبح إدارتين بطاقمهما الفني والإداري والرقابي، مما سيؤدي الى كلفة إضافية تقدر بأكثر من 10 ملايين دينار سنويا.

فوق ذلك كله، فإن اعتبار حقول نفطية في أراض كويتية هو استثمار دولي لهو أمر محيّر ومقلق!

* خبير واستشاري نفطي